بوارج أمريكية لتأمين السفن.. تفاصيل خطة ترامب لفك حصار مضيق هرمز وإعادة تدفق النفط للعالم
بينما كانت أسواق الطاقة العالمية تحبس أنفاسها تحت وطأة الشلل الذي أصاب مضيق هرمز، خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بتعهدات وصفت بأنها "طوق نجاة" لأسواق النفط المترنحة، حيث أعلن عزم الولايات المتحدة ضمان المرور الآمن للإمدادات القادمة من قلب الشرق الأوسط.
وهذا التحرك الأمريكي جاء في محاولة عاجلة لتفادي أزمة طاقة عالمية شاملة بدت ملامحها واضحة مع استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران لليوم الخامس على التوالي، وهي الحرب التي لم تكتفِ بهز أركان السياسة، بل زلزلت استقرار الأسواق من نيويورك إلى طوكيو، تاركة مئات السفن عالقة في عرض البحر دون غطاء تأميني أو حماية عسكرية.
المشهد الميداني الذي يحيط بتصريحات ترمب لا يزال ملتهباً بكل المقاييس؛ فطهران التي تواجه غارات إسرائيلية مكثفة طالت عمقها العسكري وميليشياتها في لبنان، لم تتردد في توجيه رشقات من الصواريخ والمسيرات نحو منشآت حيوية في دول الخليج العربي.
العالم يدفع ثمن تهور إسرائيل
وبينما كانت تل أبيب تعلن تدمير مئات منصات الصواريخ واستهداف رموز سيادية إيرانية، كانت القواعد والبعثات الدبلوماسية الأمريكية في المنطقة تقع تحت طائلة الانتقام الإيراني، مما جعل الرهان على إعادة فتح مضيق هرمز بـ"الكلمات" وحدها أمراً يثير شكوك المتداولين والمحللين الذين يراقبون شريان الحياة الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية.
ترمب، الذي يدرك جيداً أن ارتفاع أسعار البنزين قد يحرق رصيده السياسي قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر، قرر استخدام "العصا والجزرة" الاقتصادية والعسكرية؛ حيث كشف عن خطة تقضي بقيام "مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية" بتقديم بوالص تأمين بأسعار مدعومة ومغرية جداً لشركات الملاحة.
وهذه الخطوة تهدف بالأساس إلى ملء الفراغ الذي تركه انسحاب كبريات جمعيات التأمين البحري الدولية، والتي توقفت عن تغطية مخاطر الحرب في الخليج بعد أن أصبح استهداف الناقلات خبراً يومياً، مما جعل تكلفة شحن برميل النفط الواحد تقفز إلى مستويات فلكية لم تكن في الحسبان.
البحرية الأمريكة تحمي سفن النفط في الخليج
ولم يتوقف الأمر عند الغطاء المالي، بل ذهب الرئيس الأمريكي إلى أبعد من ذلك حين أعلن صراحة أن البحرية الأمريكية ستبدأ مرافقة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز في أقرب وقت ممكن إذا تطلب الأمر ذلك.
وكتب ترمب بلهجته الحازمة المعهودة عبر منصات التواصل الاجتماعي، مؤكداً للعالم أن الولايات المتحدة لن تسمح بتوقف التدفق الحر للطاقة مهما كانت التضحيات.
وهذه الكلمات كان لها مفعول "المسكن الموضعي" في الأسواق؛ إذ تراجعت علاوة المخاطر قليلاً وانحسرت وتيرة الصعود الجنوني لأسعار خام برنت، لكن الحذر ظل سيد الموقف، فالمتداولون يدركون أن وعود المرافقة العسكرية شيء، وتأمين ممر مائي ضيق أمام الألغام البحرية وصواريخ "كروز" الإيرانية شيء آخر تماماً.
وفي الوقت الذي كانت واشنطن ترسم فيه خطط التأمين، كان الواقع على الأرض يسجل حوادث تقشعر لها الأبدان؛ حيث تعرضت القنصلية الأمريكية في دبي لهجوم بمسيرة تسبب في حريق محدود، بينما كانت الدفاعات الجوية السعودية تسابق الزمن لاعتراض صواريخ كروز وطائرات مسيرة فوق قاعدة "الأمير سلطان" وفي المنطقة الشرقية حيث تنبض حقول النفط العملاقة.
بل إن أصداء الانفجارات وصلت إلى قلب المنشآت الدبلوماسية في الرياض، وسط تقارير عن استهداف محطة تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية، مما دفع المملكة العربية السعودية للتأكيد على لسان ولي عهدها أنها ستتخذ كافة الإجراءات لحماية أمنها، بينما دخلت باكستان على الخط محذرة إيران من التمادي في استهداف جارتها.
وعلى الضفة الأخرى من الصراع، كانت إسرائيل توجه ضربة رمزية موجعة باستهداف مبنى "مجلس خبراء القيادة" في مدينة قم، وهو المكان الذي يحمل قدسية سياسية خاصة كونه المسؤول عن اختيار خليفة المرشد الأعلى.
ورغم أن المبنى كان خالياً وقت الضربة، إلا أن الرسالة كانت واضحة بأن "الخطوط الحمراء" قد سحقت تماماً.
وهذه المعارك التي أودت بحياة المئات في إيران، بينهم جنود أمريكيون، جعلت من فكرة استئناف الملاحة الطبيعية عبر هرمز خلال ساعات أو أيام ضرباً من الخيال، خاصة وأن تطهير الممر المائي من التهديدات العسكرية يحتاج إلى أسابيع من العمل الشاق والسيطرة البحرية الكاملة.
هل ينجح الجيش الأمريكي في فرض سيطرته على إيران
خطة ترمب لتأمين السفن تظل حتى الآن "مهمة ضخمة" غير مسبوقة في تاريخ المؤسسات الأمريكية المانحة؛ فهذه الوكالة التي اعتادت دعم مشاريع التنمية في الدول الفقيرة، تجد نفسها اليوم مطالبة بتوفير غطاء مالي لأصول قائمة تتعرض لقصف مباشر بآلاف الصواريخ.
ويرى خبراء أن الإقبال على هذا التأمين سيكون بمثابة "ترمومتر" لقياس مدى ثقة العالم في قدرة الجيش الأمريكي على لجم القوة الإيرانية، فإذا سارعت الشركات لشرائه، فهذا يعني أنها تثق في أن واشنطن ستفي بالتزاماتها، وإذا أحجمت، فهذا يعني أن المخاطر تفوق قدرة أي شركة تأمين على الاحتمال، حتى لو كانت مدعومة من البيت الأبيض نفسه.
وفي المحصلة، يجد العالم نفسه أمام سباق بين "الدبلوماسية العسكرية" الأمريكية التي يقودها ترمب لفتح الممرات المائية، وبين "حرب الاستنزاف" الإيرانية التي تهدف لرفع فاتورة الطاقة على الغرب.
وبينما يراقب 750 قبطاناً سفنهم العالقة في المياه، يظل السؤال قائماً: هل تنجح البوارج الأمريكية في كسر الحصار وإعادة تدفق "الذهب الأسود" إلى عروق الاقتصاد العالمي، أم أن العالم بصدد صراع طويل الأمد سيغير خارطة القوى وتكاليف المعيشة لسنوات طويلة قادمة؟ الأيام المقبلة هي التي ستكشف ما إذا كانت "مظلة ترمب" ستحمي السفن أم أنها مجرد محاولة سياسية لتهدئة العاصفة قبل فوات الأوان.
