تفكيك "تكديس العمالة".. هل يدفع الاقتصاد البريطاني فاتورة تصحيح ما بعد الجائحة؟
تبدو المملكة المتحدة على أعتاب مرحلة جديدة في سوق العمل، مع إشارات صادرة عن بنك إنجلترا إلى أن الشركات بدأت فعلياً في التخلص من ظاهرة “تكديس العمالة” التي تراكمت منذ جائحة كورونا.
وبينما يُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها تصحيحاً طبيعياً لاختلالات ما بعد الأزمة، فهل يتحسن الاقتصاد عبر رفع الإنتاجية، أم يدفع ثمناً اجتماعياً في صورة بطالة أعلى وضغوط معيشية أشد؟
محافظ Bank of England، أندرو بيلي، أشار أمام لجنة الخزانة في البرلمان إلى أن المملكة المتحدة قد تكون متقدمة على عدد من الاقتصادات الأخرى في مسار إعادة ضبط سوق العمل، حتى وإن لم تحقق معدلات النمو القوية المسجلة في United States. الرسالة الضمنية هنا أن الاقتصاد البريطاني لا يراهن على التوسع السريع بقدر ما يراهن على تحسين الكفاءة.
من “الاحتفاظ الدفاعي” إلى “الاستغناء التصحيحي”
خلال فترة ما بعد جائحة COVID-19، واجهت الشركات البريطانية نقصاً حاداً في العمالة، ما دفعها إلى الاحتفاظ بالموظفين حتى مع تباطؤ النشاط، خوفاً من صعوبة إعادة التوظيف لاحقاً. هذا السلوك، المعروف بتكديس العمالة، حافظ على معدلات بطالة منخفضة نسبياً، لكنه ضغط على الإنتاجية، إذ تراجعت كفاءة الناتج لكل ساعة عمل.
اليوم، ومع تراجع شحّ اليد العاملة واستقرار الأوضاع نسبياً، يبدو أن الشركات بدأت في تقليص فائض التوظيف. اقتصادياً، قد يعني ذلك ارتفاعاً مؤقتاً في البطالة، لكنه في المقابل يرفع متوسط الإنتاجية، لأن عدد العمال يصبح أكثر اتساقاً مع حجم الإنتاج الفعلي.
الإنتاجية... الحلقة المفقودة منذ الأزمة المالية
تعاني بريطانيا منذ الأزمة المالية العالمية من تباطؤ مزمن في نمو الإنتاجية، وهو ما انعكس مباشرة على ضعف نمو الأجور الحقيقية وزيادة الضغوط الاجتماعية والسياسية. لذلك، فإن أي تحسن في الإنتاجية يُعد خبراً إيجابياً لصناع السياسات، حتى لو صاحبه ألم قصير الأجل في سوق العمل.
التقديرات البديلة الأخيرة تشير إلى أن الإنتاجية ربما تسارعت بالفعل خلال العام الماضي، وإن كانت البيانات الرسمية لسوق العمل لا تزال تعطي صورة أقل تفاؤلاً. هذا التباين في الأرقام يضع صناع القرار أمام معادلة دقيقة: كيف يوازنون بين استقرار التوظيف وتحقيق الكفاءة الاقتصادية؟
ما وراء التسريحات... إعادة هيكلة أعمق
لا يقتصر الأمر على تقليص العمالة فقط. بيلي أشار إلى عوامل أخرى قد تدعم الإنتاجية، مثل زيادة استثمارات الشركات، وخروج الشركات الضعيفة من السوق، فضلاً عن تسارع تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي. هذه العوامل مجتمعة تعكس عملية “تنقية” هيكلية للاقتصاد، قد تعزز قدرته التنافسية على المدى المتوسط.
غير أن هذه العملية تحمل مخاطر أيضاً، إذ قد تؤدي إلى تركّز السوق في يد شركات أكبر وأكثر قدرة على الاستثمار التكنولوجي، ما يزيد الفجوة بين القطاعات والمناطق المختلفة داخل البلاد.
بين الكفاءة والاستقرار الاجتماعي
الزاوية الأهم في هذا التحول لا تتعلق بالأرقام فحسب، بل بالتداعيات الاجتماعية. فارتفاع الإنتاجية لا يترجم تلقائياً إلى تحسن في مستويات المعيشة ما لم ينعكس على الأجور وفرص العمل المستدامة. وإذا جاءت مكاسب الكفاءة على حساب موجة بطالة واسعة، فقد يعمّق ذلك حالة السخط التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.
بمعنى آخر، ما يحدث اليوم في سوق العمل البريطاني ليس مجرد إعادة توازن تقني، بل اختبار حقيقي لقدرة الاقتصاد على الانتقال من مرحلة “الدعم الطارئ” بعد الجائحة إلى مرحلة “النمو القائم على الكفاءة”.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح المملكة المتحدة في تحويل تفكيك تكديس العمالة إلى نقطة انطلاق لنهضة إنتاجية حقيقية، أم أن التكلفة الاجتماعية قد تطغى على المكاسب الاقتصادية؟
