بين تفاؤل البيانات وحذر الخبراء.. هل ينجح الاقتصاد الأمريكي في تفادي الركود؟
تسير المؤشرات الاقتصادية في الولايات المتحدة نحو صورة تبدو أكثر توازناً مما كانت عليه خلال السنوات الثلاث الماضية، مع تراجع ملحوظ في معدلات التضخم واستقرار نسبي في سوق العمل، ما يعزز الحديث عن اقتراب الاقتصاد من تحقيق ما يُعرف بـ«الهبوط الناعم».
بين تفاؤل البيانات وحذر الخبراء.. هل ينجح الاقتصاد الأمريكي في تفادي الركود؟
أحدث بيانات الأسعار أظهرت أن التضخم الأساسي – الذي يستثني الغذاء والطاقة – ارتفع بنسبة 2.5% على أساس سنوي في يناير، وهو أدنى مستوى منذ موجة التضخم الحادة في 2021. ويُعد هذا التطور إشارة إيجابية على انحسار الضغوط السعرية تدريجياً.
في المقابل، استقر معدل البطالة عند 4.3% مع إضافة نحو 130 ألف وظيفة جديدة خلال يناير، وهو رقم فاق التوقعات، ما يعكس استمرار قدرة سوق العمل على توليد وظائف رغم تباطؤ النمو مقارنة بفترات ما بعد الجائحة.
هذه المعطيات دفعت بعض المحللين إلى القول إن أسوأ السيناريوهات – التي كانت تفترض دخول الاقتصاد في ركود حاد لخفض التضخم – لم تتحقق حتى الآن.
رغم ذلك، يرى خبراء أن الطريق نحو تحقيق استقرار كامل لا يزال طويلاً. فمقياس التضخم المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي لا يزال قريباً من 3%، أي أعلى من المستهدف البالغ 2%، ما يعني أن المعركة ضد التضخم لم تنته بعد.
كما أظهرت مراجعات البيانات أن متوسط نمو الوظائف خلال عام 2025 لم يتجاوز 15 ألف وظيفة شهرياً، وهو رقم ضعيف تاريخياً خارج فترات الركود. إضافة إلى ذلك، يتركز النمو الوظيفي في قطاعات محددة مثل الرعاية الصحية والتعليم، ما يجعل سوق العمل عرضة لأي صدمة مفاجئة.
والقوة المالية للأسر، خصوصاً أصحاب الثروات المرتفعة، ساعدت في دعم الاستهلاك والنمو، غير أن هذا الإنفاق القوي قد يعرقل مهمة خفض التضخم إلى المستوى المستهدف، إذ يؤدي استمرار الطلب المرتفع إلى إبقاء الأسعار عند مستويات أعلى من المرغوب.
ويرى اقتصاديون أن ارتفاع الثروة بدعم من أسواق الأسهم والاستثمارات عزز قدرة المستهلكين على الإنفاق، لكنه في الوقت ذاته يزيد من تعقيد قرارات السياسة النقدية.
الذكاء الاصطناعي والسياسة المالية
أحد المحركات اللافتة للنمو كان الاستثمار المكثف في تقنيات الذكاء الاصطناعي، والذي ساهم بنحو نقطة مئوية كاملة من الناتج الاقتصادي العام الماضي، مع توقعات باستمرار تأثيره الإيجابي خلال العام الجاري.
كما ينتظر أن تلعب السياسة المالية دوراً داعماً للنشاط الاقتصادي مع اقتراب الانتخابات النصفية، في محاولة للحفاظ على وتيرة النمو دون إعادة إشعال الضغوط التضخمية.
تحديات قائمة قبل تغيير القيادة النقدية
ورغم تباطؤ تكاليف السكن نسبياً، لا تزال أسعار الخدمات – باستثناء الإسكان – مرتفعة، إضافة إلى زيادة أسعار بعض السلع المتأثرة بالرسوم الجمركية، حيث سجلت السلع الأساسية غير السيارات المستعملة نمواً سنوياً بلغ 4.4% في يناير، وهو أعلى معدل في ثلاث سنوات.
ويأتي ذلك في وقت يستعد فيه رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول لمغادرة منصبه في مايو، بعد قيادته السياسة النقدية خلال واحدة من أعنف موجات التضخم في أربعة عقود.
وسيكون لتوجهات الرئيس الجديد دور حاسم في تحديد ما إذا كان الاقتصاد الأمريكي سيتمكن من تثبيت أقدامه على مسار «الهبوط الناعم»، أم أن تحديات التضخم ستفرض جولة جديدة من التشديد النقدي.
في المحصلة، تبدو الولايات المتحدة أقرب إلى منطقة الأمان مقارنة بالعامين الماضيين، لكن التوازن لا يزال هشا، وأي اضطراب في الأسواق أو تراجع مفاجئ في الإنفاق قد يعيد شبح الركود إلى الواجهة.


