سيولة الشهادات تعيد رسم خريطة الادخار في مصر.. الذهب وأذون الخزانة في الصدارة
شهدت السوق المصرية خلال الأسابيع الماضية تدفقات مالية كبيرة تزامنت مع انتهاء آجال عدد من الشهادات البنكية مرتفعة العائد التي طُرحت قبل عام، وهو ما وضع شريحة واسعة من المدخرين أمام سؤال مهم، أين يمكن توجيه هذه الأموال لتحقيق أفضل استفادة؟
أول رد فعل ظهر سريعا في سوق الذهب، حيث ارتفع الطلب بشكل ملحوظ على السبائك والعملات الذهبية، حتى إن بعض المتاجر واجهت نقصاً في المعروض وظهرت قوائم انتظار للحصول على المشغولات الاستثمارية.
ويعرف الذهب تقليدياً بأنه ملاذ يلجأ إليه الأفراد عندما تزداد المخاوف الاقتصادية أو تتغير أسعار الفائدة، لأنه يساعد على الحفاظ على قيمة الأموال بمرور الوقت.
وجاء هذا الإقبال بالتزامن مع موجة ارتفاعات عالمية في أسعار الذهب، انعكست مباشرة على السوق المحلية، ليتجاوز سعر الجرام حاجز 7500 جنيه لأول مرة مع نهاية يناير، وهو مستوى تاريخي أربك حركة البيع والشراء ودفع كثيرين للإسراع بالشراء قبل زيادات جديدة محتملة.
لكن الذهب لم يكن الوجهة الوحيدة لهذه السيولة. فهناك جزء كبير من الأموال اتجه إلى أذون الخزانة الحكومية قصيرة الأجل، وهي أدوات دين تصدرها الدولة للاقتراض لفترات محدودة مقابل عائد ثابت. ما جعلها جذابة هو أن عوائدها أصبحت أعلى من الشهادات البنكية بفارق قد يصل إلى نحو 4%، إضافة إلى إمكانية الحصول على دخل دوري ومرونة أكبر في مدة الاستثمار.
في المقابل، تراجعت جاذبية الشهادات البنكية نسبياً بعد انخفاض أسعار الفائدة مقارنة بالفترات السابقة، حيث تتراوح العوائد حالياً بين نحو 16% و17.25%. هذا التراجع دفع بعض العملاء إلى البحث عن بدائل تحقق أرباحاً أفضل أو تحافظ على القوة الشرائية لمدخراتهم.
ومن العوامل التي ساعدت على زيادة الإقبال على الذهب تحديداً، تحقيقه مكاسب قوية خلال العام الماضي، إلى جانب ارتفاعات ملحوظة في بداية العام الجديد. هذه الأرقام عززت قناعة لدى كثير من الأفراد بأن المعدن الأصفر قد يظل خياراً مناسباً في أوقات التقلبات، خاصة أنه من الأصول السهلة البيع ويمكن تحويله إلى نقد بسرعة عند الحاجة.
كما ساهم تنوع المنتجات الذهبية في توسيع قاعدة المشترين، فلم يعد الاستثمار مقتصراً على السبائك الكبيرة، بل أصبح بالإمكان الشراء بدءاً من غرام واحد، وهو ما سمح لشرائح دخل مختلفة بالدخول إلى هذا السوق.
في الوقت نفسه، بدأت فئة من المدخرين تميل إلى توزيع أموالها بدلاً من وضعها في قناة واحدة، فاتجه البعض للجمع بين الذهب وأذون الخزانة، بينما استقطب القطاع العقاري جانباً آخر من السيولة، كما جذبت البورصة اهتمام بعض المستثمرين مع تحسن مؤشرات الأسهم وتوقعات استمرار النشاط.
ورغم هذا التحول، لا تزال الشهادات البنكية مناسبة لعدد كبير من العملاء، خاصة من يعتمدون على العائد الشهري كمصدر دخل ثابت، مثل أصحاب المعاشات، إذ توفر لهم درجة عالية من الاستقرار وقلة المخاطر مقارنة ببعض البدائل.
أما بالنسبة للفترة المقبلة، فمن المتوقع أن يهدأ الإقبال على الذهب تدريجياً مع انتهاء موجة استحقاقات الشهادات خلال الأشهر القادمة، لكن مستوى الطلب سيظل مرتبطاً بحجم السيولة المتاحة لدى الأفراد واتجاهات الأسعار العالمية.
وتشير التوقعات إلى أن استمرار ارتفاع الذهب عالمياً قد يبقيه ضمن الخيارات الاستثمارية البارزة طوال العام، مع احتمالات أن تنعكس أي زيادات جديدة على الأسعار داخل مصر. وإذا تحققت هذه السيناريوهات، فقد يتحرك سعر الجرام في نطاق يتراوح بين 7000 و8000 جنيه بنهاية 2026.
في المجمل، تكشف التحركات الأخيرة عن مرحلة إعادة ترتيب لأولويات الادخار لدى المصريين، حيث لم تعد الشهادات البنكية الخيار الأوحد كما كان في السابق، بل ظهرت بدائل تنافس بقوة، أبرزها الذهب وأدوات الدين الحكومية. ويبدو أن قرار الاستثمار لم يعد يعتمد فقط على العائد، بل على مزيج من الأمان والمرونة والقدرة على مواجهة تغيرات الاقتصاد.
