السبت 17 يناير 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير التنفيذي
أحمد لطفي
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير التنفيذي
أحمد لطفي
تحليل

كيف بنت مصر عقلها الإلكتروني؟.. القصة الكاملة لأخطر مشروعات الدولة المصرية في العصر الرقمي

السبت 17/يناير/2026 - 09:00 م
مشروع مراكز البيانات
مشروع مراكز البيانات السحابية

تمثل مشروعات التحول الرقمي وحماية البيانات في مصر أحد أخطر وأعمق التحولات التي شهدتها الدولة الحديثة، ليس فقط باعتبارها نقلة تكنولوجية، ولكن لأنها أعادت تشكيل مفهوم الأمن القومي نفسه، فالدولة التي تمتلك القدرة على حماية بياناتها، وتأمين وثائقها، وضمان استمرارية عمل مؤسساتها في أصعب الظروف، هي دولة تمتلك عقلها وذاكرتها معا.

ومن هنا، برز مشروع مراكز البيانات السحابية ومجمع الإصدارات المؤمنة والوثائق الذكية باعتبارهما أخطر مشروعات مصر الاستراتيجية في العصر الحديث، لأنهما لا يضيفان منشآت أو مباني، بل يؤسسان لبنية تحتية تحمي كيان الدولة من الانهيار، وتمنحها القدرة على الصمود في مواجهة الحروب غير التقليدية التي باتت تُدار بالبيانات قبل السلاح.

ما هو مشروع مراكز البيانات السحابية؟

مشروعات مراكز البيانات السحابية تمثل العمود الفقري لما يمكن وصفه بـ«العقل الإلكتروني للدولة المصرية»، حيث تتقاطع فيها مفاهيم السيادة الرقمية، والأمن السيبراني، والحوكمة الذكية، في منظومة واحدة متكاملة، فبدون مراكز بيانات محصنة، وقواعد معلومات مؤمنة، ووثائق رقمية غير قابلة للعبث أو الضياع، تصبح أي دولة عرضة لفقدان ذاكرتها المؤسسية في لحظة فوضى أو هجوم إلكتروني، وهو ما أدركته مصر مبكرًا، فاختارت أن تخوض معركة تأمين المستقبل بهدوء ودون ضجيج.

كيف بنت مصر عقلها الإلكتروني؟.. القصة الكاملة لأخطر مشروعات الدولة المصرية في العصر الرقمي

وتعود جذور هذا التوجه إلى دروس قاسية فرضها الواقع خلال أعوام 2011 و2012، حين عاشت مصر حالة من السيولة والفوضى، شملت شللًا إداريًا واستهدافًا مباشرًا لمؤسسات الدولة، وآنذاك، شهدت البلاد اقتحام أقسام الشرطة، وحرق مقرات أمنية، وإتلاف وثائق حساسة، فضلًا عن الكارثة الثقافية المتمثلة في حريق المجمع العلمي بالقاهرة، وتلك المشاهد المرسفة كشفت بوضوح حجم الخطر الذي تمثله آليات العمل القديمة، والأرشيف الورقي غير المؤمَّن، والاعتماد على نظم لا تصمد أمام الأزمات.

منظومة متكاملة لحماية الوثائق والبيانات

هذا الإدراك لم يكن نظريًا، بل تعزز بتجارب إقليمية أكثر مأساوية، ففي سوريا، أدى استهداف مؤسسات حيوية إلى فقدان الدولة لجزء كبير من ذاكرتها وبيانات مواطنيها، بعدما تعرض مبنى الهجرة والجوازات في دمشق لأضرار جسيمة وحريق متعمد في ديسمبر 2024، تزامن مع عمليات نهب لقواعد بيانات ووثائق رسمية، والنتيجة كانت انهيارًا كاملًا لمنظومة البيانات، وضياع سجلات مواطنين لا يمكن تعويضها، بما جسّد أخطر سيناريو يمكن أن تواجهه أي دولة.

وفي مواجهة هذا الواقع، اتجهت مصر إلى بناء منظومة متكاملة لحماية وثائقها وبياناتها، كان أبرز ملامحها افتتاح مجمع الإصدارات المؤمنة والوثائق الذكية في أبريل 2021، ويعد هذا المجمع أول وأحدث مجمع صناعي تكنولوجي متكامل من نوعه في الشرق الأوسط وأفريقيا، متخصص في تصنيع وإصدار جميع الوثائق والمحررات المؤمنة والذكية، وبناء قواعد بيانات بيومترية دقيقة وفقًا للمقاييس العالمية، باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وأنظمة التحكم الذكية.

مهام مجمع الإصدارات المؤمنة والوثائق الذكية

لا تقتصر مهام المجمع على إصدار الوثائق الشخصية فحسب، بل تمتد لتشمل منظومات رقابية متطورة، من بينها نظام إلكتروني لمتابعة البضائع الخاضعة للضريبة منذ لحظة تصنيعها وحتى وصولها للمستخدم النهائي، عبر ملصقات مؤمنة مرتبطة بقواعد بيانات مركزية.

كما يقدم مجمع الإصدارات المؤمنة والوثائق الذكية، خدمات متكاملة لإدارة بيانات المواطنين والوثائق الحكومية بأعلى درجات التأمين، وقد أُقيم المشروع على مساحة تقدر بنحو 570 ألف متر مربع، وبتكلفة رسمية تقارب مليار دولار، ليشكل قاعدة بيانات وطنية موحدة تغطي جميع المواطنين ووثائق الدولة.

مميزات مشروع مراكز البيانات السحابية

بهذا الإنجاز، أصبحت مصر تمتلك منظومة بيانات مركزية مؤمنة، تبدأ من شهادة الميلاد والبطاقة الشخصية، وتمتد إلى وثائق الوزارات والهيئات والخدمات العامة، جميعها صادرة من جهة ذكية واحدة، وتخضع لمعايير عالمية في الدقة والحماية.

وهذه المنظومة ترتبط مباشرة بمراكز تجميع وتحليل ومعالجة بيانات من الجيل الثالث، قادرة على الربط اللحظي مع مؤسسات الدولة المختلفة، بما يحقق مفهوم الحوكمة الرقمية الشاملة.

ويأتي الأمن السيبراني في قلب هذه المنظومة، باعتباره خط الدفاع الأول عن عقل الدولة الإلكتروني، فالحروب الحديثة لم تعد تُخاض فقط بالقوة العسكرية، بل عبر هجمات رقمية قادرة على شل البنية التحتية، وتعطيل الخدمات، وإحداث انهيارات داخلية دون مواجهة مباشرة. امتلاك مصر لمنظومة بيانات مؤمنة يعني امتلاكها قدرة حقيقية على الصمود في هذا النوع من الصراعات.

كيف بنت مصر عقلها الإلكتروني؟.. القصة الكاملة لأخطر مشروعات الدولة المصرية في العصر الرقمي

مراكز البيانات السحابية: بداية تحصين وتأمين المعلومات

أما الركيزة الثانية لهذه المنظومة، فهي مراكز البيانات السحابية التي تم إنشاؤها في العاصمة الإدارية الجديدة، والتي تمثل البنية التحتية الحاضنة لكل عمليات التحول الرقمي، ووجود هذه المراكز بمستويات متقدمة من التحصين والتأمين كان شرطًا أساسيًا لنقل أجهزة الدولة إلى مدينة ذكية من مدن الجيل الخامس، وضمان استمرارية الخدمات الحكومية في جميع الظروف.

إلى جانب دورها الأمني، تحمل المراكز السحابية أبعادًا اقتصادية واستثمارية بالغة الأهمية، حيث تمكن مصر من الاستفادة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي كمركز لعبور كابلات الإنترنت العالمية، بما يؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا للخدمات السحابية، وهذا التوجه يعزز تدفق الاستثمارات الأجنبية، ويوفر فرص عمل عالية القيمة، ويدعم الاقتصاد الرقمي القائم على الابتكار والتكنولوجيا المتقدمة.

أهمية مراكز البيانات السحابية

توفر هذه المراكز أنظمة نسخ احتياطي واستعادة بيانات متطورة، تضمن استمرار عمل مؤسسات الدولة والخدمات الحيوية حتى في حالات الكوارث الطبيعية أو الأزمات الكبرى، وهو ما يحول هذه المشروعات من مجرد بنية تحتية تقنية إلى عنصر أساسي في منظومة الأمن القومي الشامل.

واللافت أن تنفيذ هذه المشروعات تم بقدرات ذاتية وأيد مصرية خالصة، وفي مناطق استراتيجية شديدة التأمين، وتحت إشراف مباشر من القوات المسلحة، بما يضمن أعلى درجات الحماية، ويحول دون أي محاولات اختراق أو اختزال لقيمتها الأمنية. وبهذا، تكون مصر قد نجحت في بناء عقلها الإلكتروني، وتأمين ذاكرتها الوطنية، لتدخل عصر الدولة الرقمية وهي أكثر استعدادًا لمواجهة تحديات المستقبل.