وقود من المخلفات يقود الطائرات.. قصة تحول صناعي غير مسبوقة في مصر
يتقدم مشروع وقود الطائرات المستدام في مصر بوصفه أحد أكثر رهانات الدولة جرأة في معركة الاقتصاد الأخضر، حيث عزمت الدولة على تحويل مخلفات بسيطة مثل زيت الطعام المستعمل إلى وقود استراتيجي يغذي محركات الطائرات العابرة للقارات، في لحظة عالمية يعاد فيها رسم خريطة الطاقة في العالم.
ولا يختصر مشروع انتاج وقود الطائرات من زيت الطعام في مصر، في كونه تجربة بيئية أو استثمارًا صناعيًا محدودًا، بل يمثل تحولا في منطق إدارة الموارد داخل الدولة، بداية من استيراد الوقود إلى تصدير وقود نظيف، ومن التخلص من المخلفات إلى توظيفها كأصل اقتصادي عالي القيمة.
ما هو مشروع وقود الطائرات المستدام في مصر؟
يرتكز المشروع على إنتاج وقود الطائرات المستدام المعروف عالميًا بـ SAF، وهو وقود يصنع من مصادر حيوية بديلة بدلا من المشتقات البترولية التقليدية، وفي النموذج المصري، تستخدم زيوت الطعام المستعملة كمادة أولية، ليتم معالجتها كيميائيا وتحويلها إلى وقود مطابق للمواصفات الدولية للطيران.

ولا يقتصر الإنتاج على SAF فقط، بل يمتد ليشمل منتجات أخرى عالية القيمة مثل البيوبروبان والبيونافثا، وهو ما يمنح المشروع بعدًا صناعيا واقتصاديا يتجاوز مجرد الوقود البديل.
وتتولى وزارة البترول والثروة المعدنية الإشراف العام، عبر الشركة المصرية القابضة للبتروكيماويات، باعتبارها الذراع التنفيذية للدولة في هذا النوع من المشروعات المتقدمة.
الهدف من مشروع انتاج وقود الطائرات من زيت الطعام
جاء مشروع انتاج وقود الطائرات من زيت الطعام في قلب التحول الذي تتبناه مصر نحو الطاقة النظيفة والاقتصاد منخفض الانبعاثات، ضمن خطة أوسع تستهدف رفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى 42% بحلول 2030، وفي هذا الإطار، تم إدراج الوقود الحيوي ووقود الطائرات المستدام ضمن أدوات تقليل الانبعاثات في القطاعات الأكثر تلويثًا، وعلى رأسها الطيران.
الرهان المصري هنا مزدوج، حيث يتمثل في خفض الانبعاثات من جهة، وتحويل المخلفات العضوية مثل زيوت الطعام المستعملة إلى قيمة اقتصادية مضافة من جهة أخرى، بدلا من التخلص منها بطرق بيئية ضارة.
كما يهدف مشروع انتاج وقود الطائرات من زيت الطعام إلى خلق صناعة جديدة داخل قطاع البتروكيماويات، تكون قادرة على المنافسة في سوق عالمي متنامٍ يعتمد على الوقود الأخضر.
تفاصيل مشروع انتاج وقود الطائرات من زيت الطعام
تم تصميم مشروع انتاج وقود الطائرات من زيت الطعام ليُنفذ عبر عدة مواقع إنتاجية كبرى لضمان انتشار جغرافي وقدرة تصديرية عالية.
ففي منطقة العين السخنة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، يجري تطوير مجمع صناعي على مساحة تقارب 100 ألف متر مربع، بطاقة إنتاجية تصل إلى نحو 200 ألف طن سنويًا من وقود الطائرات المستدام، إلى جانب مشتقات حيوية أخرى، وينفذ المشروع هناك على ثلاث مراحل، ويعتمد على معالجة وتكرير زيوت الطعام المستعملة على نطاق صناعي واسع.
وفي الإسكندرية، يتم إنشاء مصنع آخر بطاقة تقترب من 120 ألف طن سنويًا، باستخدام تقنية الهيدروتريتنج، وهي من أحدث تقنيات تحويل الزيوت إلى وقود طيران، بنسبة كفاءة تصل إلى نحو 80%.
وإلى جانب ذلك، هناك مشروع مستقل بالشراكة مع Green Sky Capital، يستهدف إنتاج قرابة 145 ألف طن سنويًا، مع قدرة على خفض ما يصل إلى نصف مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا.
وتعتمد هذه المشروعات على تقنيات معالجة متقدمة تسمح بتحويل الزيوت المستعملة إلى وقود طائرات يطابق مواصفات الطيران المدني الدولية، سواء من حيث الكفاءة أو السلامة أو الانبعاثات، ويجري العمل وفق أنظمة تضمن قبول الوقود في الأسواق الأوروبية والعالمية، وهو عنصر حاسم في ضمان جدوى التصدير.
شراكات واستثمارات كبرى
عام 2025 شكل نقطة تحول في هذا الملف، بعد توقيع مجموعة من الاتفاقيات الاستثمارية والتقنية التي وضعت المشروع على المسار التنفيذي.
ومن أبرز هذه الاتفاقيات كان مع مجموعة المانع القطرية، التي دخلت باستثمار يناهز 200 مليون دولار في المرحلة الأولى من مشروع العين السخنة، عبر شركة Saf Fly Limited، مع توقيع عقد طويل الأجل مع شركة شل لشراء كامل الإنتاج، بما يوفر ضمانًا تسويقيًا نادرًا في مثل هذه الصناعات.
وفي الإسكندرية، تم التعاقد مع شركة هانيويل يو أو بي لتوفير التكنولوجيا الخاصة بتحويل الزيوت إلى وقود طيران، بالشراكة مع الشركة المصرية لوقود الطائرات المستدام.
كما وقعت شراكات أخرى مع Green Sky Capital وشل لتأمين عقود شراء طويلة الأمد، إضافة إلى تعاونات مرتبطة بالطاقة الخضراء مثل الشراكة مع شركة يارا النرويجية في مشروعات الأمونيا الخضراء.
المكاسب البيئية والاقتصادية
على المستوى البيئي، يحقق المشروع خفضًا في الانبعاثات يتراوح بين 50 و80% مقارنة بوقود الطائرات التقليدي، وهو ما يعني تقليل مئات الآلاف من أطنان ثاني أكسيد الكربون سنويًا.
أما اقتصاديًا، يفتح المشروع بابًا جديدًا للصادرات المصرية، ويوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، ويدعم مكانة مصر كمركز إقليمي لإنتاج الوقود النظيف، خاصة في ظل الموقع الجغرافي الذي يربط بين أوروبا وآسيا وأفريقيا.

وبنهاية 2025، كانت الاتفاقيات الأساسية قد وقعت، والتراخيص التكنولوجية أُنجزت، وتم وضع جداول زمنية لبدء التوريد التجاري مع نهاية 2027. وخلال عام 2026، يتوقع أن تتسارع وتيرة الإنشاءات وتنفيذ المراحل الأولى من المصانع، مع فتح الباب لمزيد من الاستثمارات.
إلى أين يتجه مستقبل SAF في مصر؟
مع النمو السريع في الطلب العالمي على وقود الطائرات المستدام، يبدو المشروع المصري مؤهلًا ليكون قاعدة انطلاق لتوسعات إضافية في السنوات التالية لبدء التشغيل، فشركات الطيران الكبرى أصبحت ملزمة بتقليل بصمتها الكربونية، والأسواق الأوروبية تحديدًا تفرض نسبا متزايدة لاستخدام الوقود الأخضر.
في هذا السياق، لا يبدو مشروع SAF مجرد مصنع جديد، بل ركيزة استراتيجية قد تعيد تعريف دور مصر في خريطة الطاقة العالمية، من دولة مستهلكة ومصدرة للوقود التقليدي، إلى لاعب رئيسي في اقتصاد الوقود الأخضر.


