سوفت بنك تستهدف 100 مليار دولار من الخليج.. مخاوف فقاعة الذكاء الاصطناعي تهدد طموحات ماسايوشي سون
تتزايد التحذيرات من احتمالات تشكل فقاعة استثمارية في قطاع الذكاء الاصطناعي، مع استمرار تدفق رؤوس الأموال إلى الشركات العاملة في هذا المجال، وتصاعد الشكوك بشأن قدرة الاستثمارات الضخمة على تحقيق عوائد تتناسب مع التقييمات المرتفعة.
وفي خضم هذه المخاوف، يتحرك ماسايوشي سون، مؤسس مجموعة «سوفت بنك»، لجمع تمويل يصل إلى 100 مليار دولار من دول الخليج، بهدف إطلاق صندوق استثماري جديد يركز على الاستحواذ على الشركات وتطوير أنشطتها باستخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة.
وتأتي هذه الخطوة في وقت يزداد فيه المشككون في طفرة الذكاء الاصطناعي تمسكًا بتوقعاتهم المتشائمة؛ إذ حذر الملياردير راي داليو خلال الأسبوع الماضي من اقتراب انفجار الفقاعة، بينما بات مايكل بوري، المستثمر الذي اشتهر بتوقعه لأزمة الرهن العقاري الأمريكية، المعروفة من خلال قصة «ذا بيغ شورت» (The Big Short)، أقرب إلى الموعد الذي يرجح فيه تحقق توقعاته السلبية بشأن السوق.
وفي ظل هذه الأجواء، قد يؤدي توجه سون نحو تأسيس صندوق جديد بهذا الحجم إلى زيادة تساؤلات المستثمرين حول مدى واقعية التوسع في استثمارات الذكاء الاصطناعي، خاصة أن المجموعة نفسها تواجه تحديات تتعلق بتحويل مكاسب استثماراتها إلى عوائد نقدية فعلية.
وبحسب ما أوردته صحيفة «فايننشال تايمز»، يسعى سون إلى تأمين تمويل يصل إلى 100 مليار دولار من دول الخليج لإنشاء صندوق يستحوذ على شركات قائمة، ثم يستخدم الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتطورة الأخرى لإعادة هيكلة عملياتها التشغيلية وإحداث تحول في أساليب عملها.
صندوق رؤية وسجل الاستثمارات السابقة يضعان سوفت بنك أمام اختبار جديد
لن يكون إقناع المستثمرين الخليجيين بالمشاركة في الصندوق الجديد مهمة سهلة، في ظل تجربتهم السابقة مع صندوق «رؤية» الأول التابع لمجموعة «سوفت بنك»، والذي تأسس عام 2017 بقيمة بلغت 100 مليار دولار، بدعم رئيسي من صندوق الاستثمارات العامة السعودي وشركة «مبادلة للاستثمار» الإماراتية.
ورغم ضخامة الأموال التي جمعها الصندوق، فإن مسيرته شهدت إخفاقات بارزة أثارت تساؤلات حول كفاءة بعض قراراته الاستثمارية. ومن أبرز هذه التجارب تعثر طرح شركة «وي ورك» (WeWork) للاكتتاب العام في عام 2019، ثم انهيار شركة «غرينسيل» الناشئة المتخصصة في تمويل التجارة عام 2021.
ووفقًا للأرقام الواردة، سجل صندوق «رؤية» مكاسب دفترية بلغت 26.6 مليار دولار منذ تأسيسه وحتى نهاية يونيو، وهو مستوى من العوائد يصعب اعتباره استثنائيًا بالنظر إلى حجم رأس المال المستثمر والفترة التي امتدت لما يقرب من عقد من الزمن.
ويضع هذا السجل مجموعة «سوفت بنك» أمام تحدٍ جديد يتمثل في إقناع المستثمرين بأن الصندوق المقترح قادر على تقديم نتائج أفضل، خصوصًا في ظل ارتفاع المخاطر المرتبطة بقطاع الذكاء الاصطناعي، وتزايد التدقيق في التقييمات المالية للشركات التي تعمل فيه.
وتكشف عودة سون إلى منطقة الشرق الأوسط بحثًا عن تمويل جديد، واستعداده لخوض مفاوضات قد تكون معقدة مع المستثمرين، عن مشكلة تتجاوز مجرد الحاجة إلى رأس المال؛ فحتى «سوفت بنك»، التي تُعد من أبرز الجهات الداعمة للتوسع في الذكاء الاصطناعي، تواجه صعوبة في تحقيق عوائد نقدية من استثماراتها بما يتناسب مع حجم الأموال التي ضختها.
وفي الوقت نفسه، لم تعد أسواق الأسهم العامة تتعامل بالمرونة نفسها مع التقييمات المرتفعة للغاية التي تطلبها بعض الشركات، وهو ما يحد من قدرة المستثمرين على التخارج وتحقيق الأرباح من خلال الطروحات العامة.
ومن بين الأمثلة على ذلك شركة «أوبن إيه آي» (OpenAI)، التي استثمر فيها سون 65 مليار دولار، إذ لن تطرح أسهمها للاكتتاب العام خلال العام الجاري. كذلك قررت شركة «إس بي إنرجي» (SB Energy)، التابعة لمجموعة «سوفت بنك»، تأجيل طرح أسهمها، بعدما رفض المستثمرون التقييم البالغ 50 مليار دولار الذي استهدفه المصرفيون المكلفون بالطرح.
وتعمل «إس بي إنرجي» على مشروع في ولاية أوهايو لإنشاء ما سيكون أكبر مركز بيانات في العالم، إلا أن حجم المشروع لم يكن كافيًا لإقناع المستثمرين بالتقييم المستهدف، وهو ما يعكس تزايد التحفظ تجاه التقديرات المرتفعة لقيمة الشركات المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وبناءً على ذلك، أصبحت فرص التخارج من الشركات الناشئة العملاقة، التي تتجاوز قيمة كل منها مليار دولار، أكثر محدودية، مع تراجع استعداد الأسواق لقبول تقييمات مرتفعة لا تدعمها توقعات واضحة للعوائد أو القدرة على تحقيق تدفقات نقدية.
ارتفاع تكلفة التمويل يضغط على استثمارات الذكاء الاصطناعي
تتزامن صعوبات التخارج مع ارتفاع عوائد السندات العالمية، الأمر الذي يدفع الدائنين إلى إعادة تسعير المخاطر وتقييم قدرتهم على تحصيل عوائد مناسبة مقابل الأموال التي يقدمونها، خاصة في الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، تدفع مجموعة «سوفت بنك» عوائد قياسية على سنداتها عالية المخاطر، كما وافقت على ضمان قرض بالهامش تبلغ قيمته 10 مليارات دولار، وتدعمه أسهم في شركة «أوبن إيه آي».
وتبرز أهمية هذه الخطوة في أن القرض مضمون بالفعل بأصول مرهونة، ومع ذلك وافقت المجموعة على تقديم ضمان إضافي، وهو ترتيب غير معتاد يعكس حجم الضغوط التي تواجهها في تدبير التمويل اللازم لمواصلة استثماراتها.
ومع تزايد الأعباء على ميزانيتها العمومية، استنفدت «سوفت بنك» إلى حد بعيد إمكانات التمويل التقليدي، وأصبحت تعتمد بصورة متزايدة على بدائل تمويلية متبقية أقل جاذبية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى موارد مالية ضخمة لدعم مشروعاتها في مجال الذكاء الاصطناعي.
ولا تتوقف هذه المعضلة عند حدود المجموعة اليابانية، بل تمتد إلى قطاع الاستثمار بأكمله؛ إذ تتحدد الجدوى الاقتصادية لأي استثمار من خلال ثلاثة عناصر رئيسية، هي العائد المتوقع، وتكلفة رأس المال، والمدة التي يحتاج إليها المستثمر لاسترداد أمواله.
وتشير التطورات الحالية إلى أن العوامل الثلاثة تتحرك في اتجاه يزيد صعوبة تبرير ضخ المزيد من رؤوس الأموال في الذكاء الاصطناعي. فالعوائد المنتظرة لا تزال مرتبطة بتوقعات مستقبلية، بينما ترتفع تكلفة التمويل، وتزداد المدة اللازمة لتحويل الاستثمارات إلى سيولة نقدية، خاصة مع محدودية فرص التخارج من الشركات الكبرى.
ومن هنا، تبرز تساؤلات حول استمرار اهتمام المستثمرين في الشرق الأوسط بالعروض التي يقدمها ماسايوشي سون، رغم التحديات التي تواجه القطاع والتجارب السابقة لبعض الاستثمارات التابعة لمجموعته.
ويرجح التحليل أن هذا الاهتمام لا يعكس بالضرورة تخفيف المستثمرين لمعاييرهم الاستثمارية، وإنما قد يرتبط بإمكانية الحصول على حصص أو أصول بأسعار مغرية تتيح فرصًا لتحقيق عوائد جيدة مقارنة بالقيمة المدفوعة.
وسبق لمجموعة «سوفت بنك» أن ساهمت في صندوق «رؤية» المدعوم من السعودية من خلال نقل أصول قائمة إليه بالقيمة الأصلية لهذه الأصول، وهو نموذج يمكن أن يلجأ إليه
