أبوظبي الأول والإمارات دبي الوطني يتنافسان على جذب الأموال الجديدة.. ونمو القروض يتجاوز الودائع وسط تداعيات الحرب الإقليمية
بنوك الإمارات ترفع عوائد الودائع إلى 5.6% مع تزايد الضغوط على السيولة
تتجه البنوك الإماراتية إلى رفع العوائد المقدمة على الودائع وحسابات التوفير، في محاولة لاستقطاب مزيد من الأموال وتعزيز مستويات السيولة، مع تسارع الطلب على الائتمان واتساع الفجوة بين نمو القروض والودائع، وفق تقرير نشرته «بلومبرغ» في 12 أكتوبر 2026.
وتأتي هذه التحركات بعد سنوات استفاد خلالها القطاع المصرفي الإماراتي من وفرة السيولة والتدفقات الرأسمالية القوية، مدعومة بالنشاط الاقتصادي المحلي وتوجه أموال إلى الدولة باعتبارها وجهة استثمارية في ظل الاضطرابات الجيوسياسية بمناطق أخرى.
لكن المشهد تغير خلال الفترة الأخيرة، مع استمرار الطلب القوي على التمويل، بالتزامن مع ضغوط على مصادر السيولة وتراجع بعض التدفقات المالية، ما دفع المصارف إلى تقديم عوائد تنافسية لجذب المودعين والاحتفاظ بالأموال اللازمة لتمويل أنشطتها الائتمانية.
عوائد الودائع في الإمارات تصل إلى 5.6%
وفي إطار المنافسة على جذب المدخرات، قدم بنك أبوظبي الأول، أكبر بنوك الإمارات من حيث الأصول، عائداً يصل إلى 5.6% للمقيمين في الدولة على الأموال الجديدة المودعة في حسابات التوفير، ضمن عرض يمتد من سبتمبر إلى ديسمبر 2026.
ويختلف العرض الجديد عن الحملة الترويجية السابقة للبنك، التي انتهت في 31 أغسطس الماضي، إذ كانت تقدم عائداً يبلغ 4%. ووفقاً للتقرير، لا يشترط العرض الجديد حداً أدنى للرصيد، كما لا يفرض قيوداً على عمليات السحب.
من جانبه، أعلن بنك الإمارات دبي الوطني، أكبر بنوك دبي، عن عوائد تصل إلى 5.5% على بعض الودائع الجديدة ذات القيمة الأكبر، ضمن عرض ترويجي يمتد ثلاثة أشهر من أكتوبر إلى ديسمبر الجاري.
وتعكس هذه العروض تصاعد المنافسة بين المصارف الإماراتية لاستقطاب الأموال الجديدة، في وقت ترتفع فيه احتياجات التمويل وتزداد أهمية الودائع باعتبارها أحد المصادر الأساسية لتمويل القروض.
وسبق لبنك المشرق أن أعلن عن عائد يصل إلى 6.25% على حسابات التوفير، بحسب التقرير، ما يشير إلى أن بعض العروض المصرفية تجاوزت مستويات الفائدة الأساسية التي يحددها المصرف المركزي.
لماذا ترتفع فوائد الودائع في الإمارات؟
يرتبط ارتفاع العوائد التي تقدمها البنوك الإماراتية بمجموعة من العوامل، في مقدمتها تسارع نمو الائتمان بوتيرة تفوق نمو الودائع، إلى جانب الضغوط التي تعرضت لها بعض مصادر التمويل والتغيرات في تدفقات رؤوس الأموال.
فكلما توسعت البنوك في منح القروض، ازدادت حاجتها إلى توفير مصادر تمويل مستقرة تتيح لها الوفاء بالتزاماتها ومواصلة الإقراض. وفي ظل المنافسة على الأموال المتاحة، يصبح رفع العائد على الودائع إحدى الأدوات التي تستخدمها المصارف لجذب المدخرات.
كما ساهمت التطورات الجيوسياسية في زيادة الضغوط على السيولة، وفق التقرير، إذ تزامن استمرار الحرب الإقليمية مع احتياجات تمويلية متزايدة لمشروعات البنية التحتية، إلى جانب خروج بعض التدفقات المالية من النظام المصرفي الإماراتي.
وتشير هذه التطورات إلى أن المنافسة على الودائع لم تعد مرتبطة فقط بالتوسع التجاري للبنوك، بل أصبحت أيضاً وسيلة لتأمين التمويل اللازم في بيئة تتزايد فيها احتياجات الاقتراض وتتراجع فيها بعض مصادر الأموال الجديدة.
نمو القروض يتجاوز الودائع
وتظهر بيانات مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي حجم الفجوة بين نمو الائتمان والودائع خلال العام الجاري.
فقد ارتفع حجم القروض المصرفية بنسبة 18.1% على أساس سنوي في الربع الثاني من 2026، بينما نمت الودائع بنحو 14% خلال الفترة نفسها.
ويعني ذلك أن الإقراض يتوسع بوتيرة أسرع من نمو الودائع، وهو ما يزيد الحاجة إلى جذب مصادر تمويل إضافية، خصوصاً مع استمرار الطلب على القروض من الأفراد والجهات الحكومية وشبه الحكومية والقطاعات المرتبطة بمشروعات البنية التحتية.
وانعكس هذا التفاوت على نسبة القروض إلى الودائع، التي تجاوزت 80%، مقارنة بنحو 77.7% خلال عام 2025، وفق بيانات المصرف المركزي الواردة في التقرير.
ورغم ارتفاع النسبة، أشار التقرير إلى أنها لا تزال ضمن الحدود التي تعد مريحة للجهات التنظيمية، كما أنها أقل من مستويات مسجلة في بعض دول المنطقة، ومنها السعودية. وبالتالي، فإن ارتفاع تكلفة جذب الودائع لا يعني بالضرورة وجود أزمة مصرفية، لكنه يعكس زيادة المنافسة على التمويل وتغير ظروف السيولة.
الحرب الإقليمية تضغط على السيولة المصرفية
وتأتي التحركات المصرفية في ظل تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، التي انعكست على الأوضاع النقدية وتدفقات الأموال في المنطقة.
وبحسب ناريش بيلانداني، العضو المنتدب ورئيس أبحاث الأسهم للمنطقة لدى شركة «جيفريز»، انكمشت القاعدة النقدية في الإمارات بنحو 13.5% منذ اندلاع الحرب.
وأوضح بيلانداني أن هذه الضغوط تتزامن مع استمرار قوة الطلب على الائتمان، مدفوعاً بالإنفاق الرأسمالي للكيانات التابعة للقطاع العام في الإمارات، فضلاً عن الطلب المتواصل على القروض الشخصية.
وأضاف أن الجمع بين تشدد الأوضاع النقدية واستمرار نمو الائتمان يدفع البنوك إلى تحمل تكاليف أعلى للحصول على الودائع، بما يساعدها على تمويل التوسع في الإقراض.
وتشمل مصادر الطلب على التمويل مشروعات بنية تحتية بمليارات الدولارات، من بينها مشروعات مرتبطة بمبادرة «صفر هرمز» (Zero Hormuz)، التي تستهدف تجاوز الاعتماد على مضيق هرمز بوصفه ممراً مائياً حيوياً.
ويؤدي استمرار هذه الاحتياجات التمويلية إلى زيادة أهمية قدرة المصارف على توفير الأموال اللازمة للمشروعات، بالتزامن مع المتغيرات التي تؤثر في السيولة وتدفقات رؤوس الأموال.
انتهاء تسهيلات السيولة يزيد المنافسة على الودائع
ومن العوامل الأخرى التي ساهمت في زيادة المنافسة على الودائع، التغير في ترتيبات دعم السيولة التي أعلنها مصرف الإمارات المركزي في بداية الحرب.
ووفقاً لإدموند كريستو، المحلل لدى «بلومبرغ إنتليجنس»، اشتدت المنافسة بين البنوك على جذب الودائع الجديدة في ظل اقتراب انتهاء العمل بالتدابير التي أتاحها المصرف المركزي لدعم السيولة، والتي كان مقرراً انتهاء العمل بها في سبتمبر الماضي.
وكانت هذه التسهيلات قد أتاحت للبنوك الاستفادة من أرصدة الاحتياطيات النقدية بما يصل إلى 30% من متطلبات الاحتياطي، وهو ما وفر لها مرونة إضافية في إدارة السيولة خلال فترة الضغوط.
ومع انتهاء تلك التدابير وفق الجدول المشار إليه في التقرير، أصبحت المصارف مطالبة بالتعامل مع احتياجاتها التمويلية في ظل ظروف مختلفة، الأمر الذي زاد أهمية استقطاب ودائع جديدة.
وأشار كريستو أيضاً إلى أن استمرار الصراع الإقليمي قد يؤثر في تدفقات رؤوس الأموال إلى الإمارات، ما قد يقلص حجم الأموال الجديدة الداخلة إلى النظام المالي مقارنة بالعام الماضي.
خروج بعض الودائع يضيف ضغوطاً جديدة
إلى جانب زيادة الطلب على القروض، واجهت البنوك الإماراتية ضغوطاً إضافية نتيجة تحركات بعض الودائع المقومة بالعملات الأجنبية.
ووفق معلومات نقلتها «بلومبرغ»، فإن الجزء الأكبر من ودائع بالعملات الأجنبية بلغت قيمتها نحو 130 مليار دولار، وجُمعت من خلال تسهيل خاص يستهدف المواطنين الهنود المقيمين في الخارج، جاء من منطقة الخليج.
وشاركت بنوك إماراتية في هذا البرنامج، فيما عرض بنك أبوظبي الأول تمويلاً يصل إلى 1.5 مليار دولار للهنود غير المقيمين المستثمرين فيه، بحسب التقرير.
وتستضيف الإمارات أعداداً كبيرة من المقيمين الهنود، كما تمثل إحدى القنوات المهمة للتحويلات المالية في المنطقة، وهو ما يجعل تحركات الودائع العابرة للحدود عاملاً مؤثراً في أوضاع السيولة لدى بعض المصارف.
ومع ذلك، لا تتوافر بيانات تفصيلية بحسب الدول توضح حجم التدفقات الخارجة من الإمارات على وجه التحديد، ولذلك لا يمكن اعتبار الأرقام الإجمالية للبرنامج دليلاً مباشراً على مقدار الأموال التي غادرت النظام المصرفي الإماراتي.
الطلب على القروض لا يزال قوياً
وفي المقابل، لا تزال البنوك الإماراتية ترى فرصاً لمواصلة التوسع في الإقراض، خصوصاً مع استمرار تنفيذ مشروعات البنية التحتية وغيرها من المشروعات المرتبطة بجهات حكومية.
وقالت مونيكا مالك، كبيرة الاقتصاديين لدى بنك أبوظبي التجاري، إن المصارف لديها قائمة قوية من الطلبات الائتمانية المرتقبة، تشمل كيانات مرتبطة بالحكومة تواصل تنفيذ مشروعات البنية التحتية ومشروعات أخرى.
ويعني استمرار الطلب على التمويل أن البنوك تواجه معادلة مزدوجة؛ فمن ناحية، تحتاج إلى تلبية احتياجات العملاء والمشروعات، ومن ناحية أخرى، يتعين عليها توفير مصادر تمويل كافية ومستقرة، وهو ما يعزز أهمية الودائع في المرحلة الحالية.
لكن جذب أموال جديدة، ولا سيما من الشركات، قد يكون أكثر صعوبة في ظل ارتفاع احتياجات رأس المال العامل لدى هذه الشركات عقب الحرب، بحسب بيلانداني.
وفي هذا السياق، يرى كريستو أن المنافسة المتزايدة على الودائع بالتزامن مع ضعف تدفقات الأموال الجديدة تعني أن البنوك باتت تدفع عوائد إضافية للحصول على السيولة اللازمة لتمويل عملياتها.
ما تأثير ارتفاع عوائد الودائع على القطاع المصرفي؟
يمكن أن تساعد العوائد المرتفعة البنوك على استقطاب مدخرات جديدة وتعزيز قدرتها على تمويل القروض، لكنها قد ترفع في الوقت نفسه تكلفة الأموال التي تعتمد عليها المصارف في أنشطتها.
وتتوقف انعكاسات هذه الزيادة على قدرة البنوك على إدارة الفارق بين تكلفة التمويل والعوائد التي تحققها من القروض والاستثمارات، فضلاً عن مدى قدرتها على تمرير التغيرات في تكلفة الأموال إلى أسعار الإقراض.
كما قد تؤدي المنافسة على الودائع إلى اختلاف العوائد المقدمة بين بنك وآخر، تبعاً لحجم السيولة المتاحة لكل مصرف، واحتياجاته التمويلية، واستراتيجيته في جذب العملاء.
وبالنسبة إلى المودعين، تتيح العروض الترويجية فرصاً للحصول على عوائد أعلى على المدخرات، لكن المقارنة بين المنتجات المصرفية تتطلب الانتباه إلى شروط كل عرض ومدته، ونوع الحساب، وأي قيود أو متطلبات مرتبطة بالحصول على العائد المعلن.
وفي المحصلة، تكشف زيادة عوائد الودائع في الإمارات عن تغير في معادلة التمويل داخل القطاع المصرفي، مع استمرار نمو الائتمان بوتيرة تتجاوز نمو الودائع، وتزايد المنافسة على الأموال المتاحة. ورغم أن البيانات الواردة في التقرير تشير إلى بقاء نسبة القروض إلى الودائع ضمن الحدود التنظيمية المريحة، فإن استمرار هذه الاتجاهات سيجعل تكلفة التمويل وتدفقات رؤوس الأموال من العوامل الرئيسية المؤثرة في أداء البنوك خلال الفترة المقبلة.



