الثلاثاء 18 أغسطس 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

برج فوربس العالمي

بمليار دولار و«صفر كربون».. كيف يستعد برج فوربس العالمي لكتابة فصل جديد في عمارة العاصمة الإدارية؟

الثلاثاء 18/أغسطس/2026 - 08:50 م
برج فوربس العالمي
برج فوربس العالمي يستعد لكتابة فصل جديد في عمارة العاصمة

مشروع يستهدف صافي انبعاثات كربونية صفرية.. هيدروجين نظيف وطاقة شمسية وذكاء اصطناعي في برج من 50 إلى 55 طابقًا 

في قلب منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لا يستعد مشروع عقاري جديد لمجرد إضافة برج آخر إلى أفق المدينة، وإنما يطمح مشروع «Forbes International Tower» إلى تقديم نموذج مختلف للمباني التجارية في مصر، يجمع بين العلامة العالمية، والهندسة المعمارية المستقبلية، والتكنولوجيا، ومعايير الاستدامة.

المشروع، الذي تصل استثماراته المستهدفة إلى نحو مليار دولار، تقوده شركة «ماجنوم العقارية»، التابعة لمجموعة «روابي القابضة» السعودية، بالتعاون مع علامة «فوربس» العالمية، ويستهدف أن يكون برجًا تجاريًا منخفض الانبعاثات وصولًا إلى صافي انبعاثات كربونية صفرية، بالاعتماد على مزيج من الطاقة النظيفة والتقنيات الذكية.

ومع تجدد التحركات الحكومية لمتابعة المشروع، عاد «برج فوربس» إلى واجهة المشروعات الاستثمارية الكبرى التي تراهن عليها مصر لتعزيز موقع العاصمة الإدارية الجديدة كمركز إقليمي للأعمال والخدمات المالية والتكنولوجيا.

مليار دولار لبرج لا يشبه الأبراج التقليدية

الفكرة الأساسية وراء المشروع تتجاوز بناء برج إداري فاخر؛ فالتصميم يستهدف إعادة تعريف العلاقة بين ناطحة السحاب والبيئة المحيطة بها.

وكانت الحكومة قد استعرضت في يونيو 2024 مقترح المشروع، مع تقديرات باستثمارات مباشرة تبلغ نحو مليار دولار، وارتفاع يصل إلى 250 مترًا، ليكون واحدًا من أبرز الأبراج الإدارية والتجارية في منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة.

وتشير بيانات مركز ناطحات السحاب إلى ارتفاع معماري يبلغ نحو 230 مترًا، مع استهداف شهادات LEED Platinum وILFI Net Zero Carbon وBREEAM، بما يعكس تركيز المشروع على معايير الاستدامة منذ مرحلة التصميم وليس باعتبارها إضافة لاحقة.

أما الموقع، فهو في قلب منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية، وهي المنطقة التي تراهن عليها الدولة لتكون واجهة الأعمال والمال والاستثمار في العاصمة الجديدة.

ومن هنا تأتي أهمية البرج: فهو لا يُطرح كمنتج عقاري منفصل، بل كجزء من محاولة بناء بيئة أعمال عالمية تستقطب الشركات الدولية والمؤسسات المالية وشركات التكنولوجيا.

لماذا «فوربس»؟

اختيار اسم «فوربس» للمشروع لا يتعلق فقط بالعلامة التجارية، وإنما يعكس رغبة المطور في منح البرج هوية دولية قادرة على مخاطبة الشركات والمستثمرين العالميين.

وقد أعلنت «ماجنوم» و«فوربس» شراكتهما لإطلاق المشروع خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في يناير 2023، باعتباره مشروعًا لبرج تجاري مستدام في العاصمة المصرية، مع توجه واضح نحو تحقيق استراتيجية صافي الكربون الصفري.

ويستهدف المشروع أن يتحول إلى عنوان للأعمال العالمية في القاهرة، وليس مجرد مساحة للمكاتب؛ إذ تتحدث الرؤية المعلنة عنه عن بيئة عمل متطورة، وتقنيات ذكية، وخدمات تجارية متقدمة، إلى جانب التصميم المعماري اللافت.

وبحسب أحدث متابعة رسمية للمشروع في يونيو 2026، يستهدف البرج أن يكون مركزًا عالميًا للأعمال والخدمات المالية، مع جذب شركات دولية متخصصة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

من أين تأتي الطاقة؟

هنا يكمن الجزء الأكثر إثارة في المشروع.

فبدلًا من الاعتماد التقليدي على شبكة الكهرباء وحدها، يقوم التصور المعلن للبرج على استخدام الهيدروجين النظيف والطاقة الشمسية كمصادر رئيسية للطاقة.

وتشير تقارير المشروع إلى أن الهيدروجين النظيف يستهدف توفير نحو 75% من احتياجات البرج من الطاقة، بينما توفر الألواح الشمسية النسبة المتبقية، مع دمج الخلايا الكهروضوئية في تصميم المبنى.

ولا تتوقف فكرة الاستدامة عند مصدر الكهرباء؛ فالتصميم يتضمن مجموعة من الحلول التي تستهدف تقليل استهلاك الطاقة والمياه والانبعاثات، بما في ذلك التهوية الطبيعية، وأنظمة ذكية للتحكم في المبنى، وحصاد مياه الأمطار لاستخدامها في الأغراض غير الصالحة للشرب.

وهذا يعني أن «الاستدامة» في البرج ليست مجرد ألواح شمسية فوق مبنى زجاجي، وإنما منظومة متكاملة تبدأ من المواد المستخدمة في الإنشاء، وتمر بالطاقة والتكييف والمياه، وصولًا إلى طريقة تشغيل المبنى.

ذكاء اصطناعي داخل البرج

التكنولوجيا ستكون أحد المكونات الرئيسية للمشروع.

فالرؤية المعلنة لـ«برج فوربس» تقوم على مفهوم المبنى الذكي، من خلال استخدام أجهزة الاستشعار وإنترنت الأشياء وتقنيات التعلم الآلي لمراقبة أداء المبنى والتكيف مع احتياجات مستخدميه.

كما يتضمن التصور استخدام تقنيات متقدمة مرتبطة بالتنقل والخدمات، بما في ذلك أنظمة للسيارات ذاتية القيادة وخدمات الطائرات المسيرة، في محاولة لتحويل البرج من مجرد مبنى إداري إلى منظومة أعمال متكاملة تعتمد على التكنولوجيا.

وتكتسب هذه الجزئية أهمية خاصة مع استهداف المشروع جذب شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وهو ما يتقاطع مع الاتجاه العالمي نحو تحويل المباني التجارية إلى منصات رقمية تستطيع إدارة الطاقة والأمن والحركة والخدمات بصورة أكثر كفاءة.

هندسة معمارية تبحث عن علامة في سماء القاهرة

التصميم المعماري للبرج جاء من مكتب Adrian Smith + Gordon Gill Architecture (AS+GG)، وهو المكتب الذي ارتبط بتصميم عدد من ناطحات السحاب والمشروعات المعمارية البارزة عالميًا.

والتصميم المقترح لا يعتمد على الشكل التقليدي لناطحات السحاب المستقيمة؛ إذ يتضمن واجهات زجاجية وفولاذية منحنية، إلى جانب دمج الألواح الكهروضوئية في التكوين المعماري نفسه.

وتشير الرؤية الأصلية للمشروع إلى برج مكوّن من 55 طابقًا، بينما تورد مصادر أخرى أرقامًا في حدود 50 طابقًا بحسب مراحل التصميم والتطوير، وهو ما يفسر اختلاف بعض البيانات المنشورة حول عدد الطوابق.

لكن الثابت أن الهدف هو إنشاء معلم معماري بارز في منطقة الأعمال المركزية، بحيث يصبح اسم البرج جزءًا من صورة العاصمة الإدارية الجديدة، على غرار الأبراج التي تحولت في مدن عالمية إلى رموز اقتصادية ومعمارية.

«صفر كربون».. ماذا تعني فعليًا؟

مصطلح «صفر انبعاثات كربونية» هو أحد أكثر عناصر المشروع جذبًا للانتباه، لكنه يحتاج إلى قراءة دقيقة.

المشروع لا يعني أن عملية بناء البرج لن تنتج أي انبعاثات على الإطلاق؛ فعملية الإنشاء واستخدام مواد مثل الخرسانة والفولاذ لها بصمة كربونية تُعرف باسم الكربون المتجسد.

ولهذا تستهدف استراتيجية المشروع تقليل نوعين من الانبعاثات: الانبعاثات الناتجة عن تشغيل المبنى، والانبعاثات المرتبطة بالمواد والإنشاءات.

وتوضح منصة المشروع أن الهيكل الإنشائي يمثل نسبة كبيرة من حجم المواد المستخدمة، ما يجعل اختيار مواد منخفضة الكربون وتقليل كميات المواد جزءًا من استراتيجية خفض البصمة الكربونية.

ومن المقرر كذلك دمج المساحات الخضراء والتصميمات المستوحاة من الطبيعة، بما يعرف بالتصميم Biophilic Design، إلى جانب تقنيات لتحسين دوران الهواء وتقليل الاعتماد على أنظمة التبريد التقليدية.

شهادة «بلاتينيوم».. ماذا تضيف للمشروع؟

من العناصر التي تعزز الجانب البيئي للمشروع استهداف الحصول على شهادات دولية رفيعة في مجال المباني الخضراء، وعلى رأسها LEED Platinum.

ووفق البيانات المنشورة عن المشروع، فإن الاستدامة جزء أساسي من التصميم، مع استهداف أعلى مستويات تقييم المباني الخضراء.

وفي السياق المصري، يمثل حصول المشروع على شهادة بلاتينية وفق نظام تقييم الهرم الأخضر، إذا تأكدت الشهادة النهائية وفق متطلبات الجهة المانحة، مؤشرًا على الاتجاه نحو إدخال معايير البناء الأخضر بصورة أكبر في المشروعات الكبرى.

لكن الأهم أن التحدي الحقيقي لن يكون الحصول على شهادة التصميم، وإنما الحفاظ على الأداء البيئي المستهدف بعد تشغيل البرج فعليًا.

لماذا العاصمة الإدارية؟

اختيار العاصمة الإدارية الجديدة ليس تفصيلًا جغرافيًا.

فمنطقة الأعمال المركزية صُممت لتكون قلب النشاط التجاري والمالي للعاصمة، وتضم عددًا من الأبراج والمشروعات التي تستهدف استقطاب الشركات والمؤسسات الدولية.

ومن ثم فإن وجود برج يحمل اسم «فوربس» ويستهدف استقطاب شركات التكنولوجيا والمال والأعمال يمنح المنطقة بعدًا إضافيًا: الانتقال من مجرد إنشاء أبراج مرتفعة إلى محاولة تكوين سوق متكامل للخدمات والأعمال الدولية.

وهذا يتسق مع أحدث تحركات الهيئة العامة للاستثمار، التي أكدت في يونيو 2026 أن المشروع يمثل أحد المشروعات النوعية التي تدعم رؤية الدولة لتحويل العاصمة الإدارية الجديدة إلى مركز إقليمي للأعمال والاستثمار.

مشروع عقاري أم اختبار لنموذج جديد؟

السؤال الأهم ربما ليس: كم يبلغ ارتفاع برج فوربس؟

بل: هل تستطيع مصر أن تقدم نموذجًا تجاريًا ناجحًا لمبنى مرتفع منخفض الانبعاثات يعمل بالطاقة النظيفة ويستقطب الشركات العالمية؟

فالمشروع يجمع في نقطة واحدة عدة رهانات: مليار دولار من الاستثمارات، علامة تجارية عالمية، مطور سعودي، تصميم معماري دولي، هيدروجين نظيف، طاقة شمسية، ذكاء اصطناعي، وموقع في واحدة من أكبر عمليات التوسع العمراني التي تشهدها مصر.

وهذه العناصر تجعل نجاح المشروع أكبر من مجرد نجاح استثماري لشركة خاصة؛ فهو سيكون اختبارًا عمليًا لقدرة السوق المصرية على استيعاب مفهوم المباني فائقة الاستدامة، وعلى تحويل التكنولوجيا الخضراء من شعار إلى نموذج اقتصادي قابل للتشغيل.

من الإعلان إلى التنفيذ

بدأت قصة البرج رسميًا في دافوس عام 2023، ثم انتقلت إلى مرحلة أكثر جدية مع عرض الحكومة للمشروع في 2024، وتأكيد حجم الاستثمار المستهدف، قبل أن تتواصل المتابعة الحكومية للمشروع في 2026.

وكانت «رويترز» قد نقلت في أغسطس 2024 عن «ماجنوم» أن المشروع يستهدف بدء الإنشاءات، مع خطة للانتهاء بحلول عام 2030، في حين وصفت المشروع بأنه برج مكتبي بتكلفة مليار دولار يعمل بالهيدروجين النظيف ويستهدف صافي انبعاثات كربونية صفرية.

وبذلك، فإن السنوات المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان «برج فوربس» سيبقى مشروعًا معماريًا طموحًا على الورق، أم يتحول إلى أحد أبرز المعالم الجديدة في العاصمة الإدارية، وإلى نموذج مصري لاستخدام الهيدروجين والطاقة الشمسية والتقنيات الذكية في ناطحات السحاب.

في النهاية، لا يراهن المشروع على الارتفاع وحده؛ فالمنافسة الحقيقية تدور حول كمية الطاقة التي يستهلكها البرج، وكمية الكربون التي ينتجها، ومدى ذكائه في التشغيل، وقدرته على جذب الأعمال العالمية.

وإذا نجحت هذه المعادلة، فقد لا يكون «برج فوربس» مجرد ناطحة سحاب جديدة في سماء العاصمة الإدارية، بل محاولة لنقل العمارة المصرية من سباق «من يبني الأعلى؟» إلى سباق أكثر أهمية: «من يبني الأكثر كفاءة واستدامة وذكاءً؟»