رحلة سمير رضوان
من كفر الزيات إلى لندن.. رحلة سمير رضوان من قاعات الجامعة لوزير مالية أصعب حكومات مصر
رحل الدكتور سمير رضوان، اليوم الثلاثاء، عن عمر ناهز 84 عامًا، بعد وفاة مفاجئة خلال زيارة كان يجريها إلى سويسرا، لتُطوى بذلك صفحة أحد الاقتصاديين المصريين الذين امتدت تجربتهم بين قاعات الدرس، ومؤسسات الاقتصاد الدولية، ودوائر صناعة القرار، قبل أن تستقر به الرحلة في مقعد وزير المالية خلال واحدة من أكثر اللحظات اضطرابًا في التاريخ المصري الحديث.
وبحسب المعلومات المتاحة، أبلغت كريمته المقيمة في سويسرا عددًا من أصدقائه وزملائه المقربين، من بينهم أساتذة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، بخبر الوفاة.
ولم تُعلن الأسرة حتى الآن تفاصيل موعد ومكان تشييع الجثمان، انتظارًا لما ستقرره وتعلنه خلال الساعات المقبلة.
لم يكن سمير رضوان رجل وزارة بالمعنى التقليدي؛ فالحقيبة الوزارية لم تكن ذروة تجربته بقدر ما كانت محطة قصيرة في مسيرة أطول وأكثر اتساعًا، بدأها طالبًا في جامعة القاهرة، ثم باحثًا وأكاديميًا في بريطانيا، قبل أن يمضي نحو ثلاثة عقود في منظمة العمل الدولية، متنقلًا بين ملفات التنمية والتشغيل وأسواق العمل والفقر والسياسات الصناعية.
من كفر الزيات إلى لندن
وُلد سمير رضوان عام 1942 في كفر الزيات بمحافظة الغربية، وتلقى تعليمه قبل الجامعي في طنطا، قبل أن يلتحق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، التي تخرج فيها عام 1963.
ومن القاهرة بدأت الرحلة إلى لندن؛ فحصل عام 1967 على درجة الماجستير في اقتصاديات البلدان النامية من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن، ثم نال الدكتوراه في الاقتصاد من الجامعة نفسها عام 1973. وتذكر السير المنشورة عنه أنه بدأ حياته الأكاديمية مدرسًا بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة بين عامي 1963 و1965، قبل أن ينتقل إلى بريطانيا.
وهناك، بين الجامعة والبحث، تشكلت ملامح المدرسة الاقتصادية التي انتمى إليها رضوان؛ مدرسة لا تنظر إلى النمو باعتباره رقمًا في حسابات الناتج، بل باعتباره وسيلة لتحسين حياة الناس، وخلق فرص العمل، والحد من الفقر، وإتاحة قدر أكبر من العدالة الاجتماعية.
ثلاثة عقود في منظمة العمل الدولية
كان الجانب الدولي الأبرز في سيرة سمير رضوان هو عمله الطويل في منظمة العمل الدولية، التي التحق بها عام 1976، واستمر فيها لنحو ثلاثة عقود، متدرجًا في مواقع مختلفة حتى أصبح مستشارًا للمدير العام للمنظمة في سياسات التنمية ومستشارًا لشؤون الدول العربية.
وخلال هذه السنوات، تخصص رضوان بصورة خاصة في اقتصاديات التنمية، وسياسات التشغيل، وأسواق العمل، والفقر، والسياسات الصناعية والتكيف الهيكلي، وشارك في مهام استشارية دولية تتصل بهذه الملفات.
ولم تكن خبرته الدولية بعيدة عن مصر؛ بل ظل حاضرًا في قضاياها الاقتصادية والتنموية، وارتبط بعدد من المؤسسات المصرية والدولية، كما شغل منصب المدير التنفيذي لمنتدى البحوث الاقتصادية، وعضوية مجلس إدارة الهيئة العامة للاستثمار، وعمل مستشارًا لها، إلى جانب ارتباطه بمؤسسات بحثية وأكاديمية في بريطانيا.
أكاديمي حتى وهو في قلب السياسة
ظل الجانب الأكاديمي حاضرًا في شخصية رضوان حتى عندما انتقل إلى مواقع صنع القرار. فقد ارتبط اسمه بالتدريس والبحث في بريطانيا، ومن بينها جامعة أكسفورد، في وقت كان فيه مساره المهني يتشكل داخل المؤسسات الاقتصادية الدولية.
وكانت مؤلفاته وأبحاثه تعكس اهتمامًا واضحًا بقضايا التنمية والعمل؛ ففي عام 2009، أعد لمنظمة العمل الدولية دراسة حول الآثار الاقتصادية والاجتماعية للأزمة المالية والاقتصادية على مصر، تناولت النمو والاستثمار والبطالة وسياسات العمل وغيرها من الملفات التي ستظل حاضرة في قلب النقاش الاقتصادي المصري لسنوات لاحقة.
وهكذا لم يكن رضوان اقتصاديًا يقرأ أرقام الموازنة من زاوية الإيرادات والمصروفات فقط، وإنما كان يقرأ الاقتصاد من موقع الإنسان الذي يقف خلف الرقم: العامل الذي يبحث عن فرصة، والأسرة التي تواجه الفقر، والشاب الذي ينتظر وظيفة، والدولة التي تحاول أن توازن بين الإصلاح الاقتصادي والحماية الاجتماعية.
وزيرًا للمالية في أعقاب الثورة
في 31 يناير 2011، وفي خضم تداعيات ثورة 25 يناير، دخل سمير رضوان الحكومة وزيرًا للمالية في حكومة الفريق أحمد شفيق، خلفًا ليوسف بطرس غالي.
كان اختياره للمنصب ذا دلالة؛ فمصر آنذاك لم تكن تبحث فقط عن وزير يدير حسابات الخزانة العامة، وإنما كانت تواجه أزمة سياسية واجتماعية واقتصادية متشابكة، في وقت تراجعت فيه حركة الاقتصاد والاستثمار، وتصاعدت المطالب المتعلقة بالأجور والتشغيل والعدالة الاجتماعية.
واستمر رضوان في منصبه مع حكومة عصام شرف التي تشكلت بعد رحيل حكومة شفيق، وظل وزيرًا للمالية حتى يوليو 2011.
وفي تلك الفترة، حاول أن يطرح تصورًا يقوم على الجمع بين الانضباط المالي والبعد الاجتماعي، وهو ما ظهر بوضوح في خطابه أمام منظمة العمل الدولية في يونيو 2011، حين تحدث، بصفته وزيرًا للمالية، عن الحاجة إلى سياسات اقتصادية تستهدف العمل اللائق والتنمية المستدامة والحماية الاجتماعية ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
وكانت قضايا التشغيل والبطالة في صدارة اهتمامه؛ ففي مارس 2011 تحدث عن ثقل البطالة بين الشباب، في وقت كانت فيه سوق العمل المصرية واحدة من أكثر الملفات إلحاحًا على الحكومة الجديدة.
وزير في زمن لا يشبه سواه
لم تكن مهمة سمير رضوان في وزارة المالية مهمة وزير جاء في بداية ولاية حكومية مستقرة؛ فقد دخل الوزارة بينما كانت الدولة المصرية تعيد ترتيب مؤسساتها، والشارع يرفع سقف مطالبه، والاقتصاد يدفع ثمن الاضطراب السياسي.
ولهذا ارتبطت تجربته الوزارية بالبحث عن معادلة صعبة: كيف تُدار المالية العامة في وقت تتسع فيه المطالب الاجتماعية؟ وكيف يمكن دفع عجلة الاقتصاد من دون أن تتحول تكلفة الإصلاح إلى عبء أكبر على الفئات الأضعف؟
وكان هذا السؤال قريبًا من جوهر تكوينه الأكاديمي والمهني؛ فالرجل الذي قضى سنوات طويلة يبحث في التشغيل والفقر وأسواق العمل وجد نفسه، بعد ثورة يناير، أمام الاختبار العملي لأفكاره.
مرشحًا لرئاسة الحكومة
بعد سنوات قليلة، عاد اسم سمير رضوان إلى واجهة المشهد السياسي. ففي يوليو 2013، عقب عزل محمد مرسي، كان رضوان واحدًا من أبرز الأسماء المطروحة لتشكيل الحكومة، واعتبرته تقارير صحفية آنذاك مرشحًا قويًا لرئاسة الوزراء، مستفيدًا من خلفيته الاقتصادية وخبرته الدولية وتجربته السابقة في الحكومة.
لكن المنصب ذهب في النهاية إلى الدكتور حازم الببلاوي، لتبقى تجربة رضوان الحكومية مرتبطة أساسًا بوزارة المالية خلال المرحلة الانتقالية الأولى التي أعقبت ثورة يناير.
الاقتصاد باعتباره قضية إنسان
ربما كان أهم ما يميز تجربة سمير رضوان أن الاقتصاد بالنسبة إليه لم يكن لغة جافة من مؤشرات النمو وعجز الموازنة والدين العام، وإنما كان في جوهره سؤالًا عن الإنسان.
ولهذا ظل اهتمامه بالتنمية مرتبطًا بالتشغيل، واهتمامه بالتشغيل مرتبطًا بمكافحة الفقر، واهتمامه بالإصلاح الاقتصادي مرتبطًا بما يتركه هذا الإصلاح على حياة المواطنين.
وفي يونيو 2026، قبل وفاته بأسابيع، ظهر رضوان في لقاء إعلامي تناول عددًا من القضايا التي شغلت تجربته المهنية، من مكافحة الفقر إلى العلاقة بين الإصلاح الاقتصادي وحماية الفئات الأكثر احتياجًا، والفرق بين النمو والتنمية وجودة حياة المواطنين. وكان ذلك ظهورًا يلخص، في جانب منه، الأسئلة التي صاحبت الرجل منذ بداياته وحتى سنواته الأخيرة.
رحلة طويلة تنتهي بعيدًا عن مقعد الوزارة
لم يكن رحيل سمير رضوان رحيل وزير سابق فحسب، وإنما غياب واحد من جيل اقتصادي جمع بين المعرفة الأكاديمية والخبرة الدولية والاحتكاك المباشر بصناعة القرار.
من جامعة القاهرة إلى لندن، ومن أكسفورد إلى منظمة العمل الدولية، ومن منتديات الاقتصاد ومؤسسات الاستثمار إلى وزارة المالية في زمن الثورة، امتدت رحلة رضوان قرابة ستة عقود، ظل خلالها الاقتصاد عنده أكثر من مهنة؛ كان مجالًا لفهم المجتمع ومحاولة إصلاح اختلالاته.
وبينما تبقى تفاصيل تشييع الجثمان في انتظار إعلان أسرته، يترك سمير رضوان خلفه سيرة رجل قضى عمره بين سؤالين متلازمين: كيف ينمو الاقتصاد؟ وكيف يصل أثر هذا النمو إلى الإنسان؟
وربما في هذا السؤال المزدوج تختصر مسيرة اقتصادي لم تكن الوزارة إلا فصلًا واحدًا من كتاب طويل، بدأ من قاعة درس في جامعة القاهرة، وانتهى بغياب صاحبه بعيدًا عن وطنه، بينما بقيت أفكاره وأسئلته جزءًا من النقاش المصري حول الاقتصاد والتنمية والعدالة الاجتماعية.



