عمرو عامر يكتب: اقتصاد بلا قيم: الوجه الآخر لإنجازات منير نخلة
في عالم الاقتصاديات الناشئة، كثر الحديث في السنوات الأخيرة عن "إنجازات" ريادة الأعمال وشركات التكنولوجيا المالية والتطبيقات الرقمية التي توفر حلولاً سريعة للتمويل والتوصيل وخدمات التقسيط، وعلى رأس هذه النماذج يبرز اسم رجل الأعمال منير نخلة، مؤسس شركتي "تساهيل" و"حالا" كواحد من رواد التمويل متناهي الصغر والتقسيط السريع، غير أن النظرة التحليلية المنصفة لعمق الأثر الاقتصادي لهذه النماذج تكشف عن إشكالية هيكلية حقيقية: هل تساهم هذه الأنشطة في بناء اقتصاد وطني إنتاجي مستدام، أم أنها مجرد أدوات لتكريس نمط اقتصادي استهلاكي قائم على الديون؟
بدون قسوة الأزمة الأساسية في نموذج العمل الذي يقوده نخلة وأمثاله لا تكمن في تقديم الخدمات المالية بحد ذاتها، بل في اتجاه هذه الخدمات وفي مقصدها النهائي، فبدلاً من توجيه رؤوس الأموال والتمويلات نحو القطاعات المباشرة التي تخلق قيم مضافة حقيقية مثل الصناعة المحلية، والتصنيع الزراعي، والابتكار التكنولوجي الإنتاجي—تتركز أغلب هذه المبادرات في تسهيل عمليات الشراء والتقسيط للمستهلكين.
في أبجديات الاقتصاد هذا التوجه يحول الاقتصاد الوطني تدريجياً إلى "اقتصاد استهلاكي" يعتمد على ضخ السيولة في شرايين الاستهلاك اليومي للسلع والتي غالباً ما تكون سلعاً مستوردة أو مصنعة خارجيا، مما يؤدي إلى تآكل الاحتياطي النقدي وتفاقم العجز التجاري، بدلاً من بناء قاعدة صناعية تخلق فرص عمل حقيقية ودائمة في سلاسل الإمداد والتصنيع.
علاوة على ذلك، ينطوي التوسع المفرط في التمويل الاستهلاكي وأنشطة التقسيط السريع على مخاطر اجتماعية واقتصادية تتمثل في إثقال كاهل الفئات المتوسطة والمحدودة الدخل بأعباء الديون والفوائد المركبة وتحويل المواطن من عنصر إنتاجي في المجتمع إلى مستهلك دائم الاقتراض يضعف قدرته الإدخارية على المدى الطويل، ويقلل من مرونة الاقتصاد في مواجهة الصدمات العالمية، حيث يتحول النمو الناتج عن هذه الأنشطة إلى "نمو ظاهري" يعتمد على القروض لا على زيادة الإنتاجية الوطنية.
إن الريادة الحقيقية لرجال الأعمال في الدول الناشئة لا تُقاس بقيمة الجولات التمويلية أو التقييمات السوقية للتطبيقات الإلكترونية، أو بحجم الظهور في وسائل الإعلام بل بقدرة هذه الأنشطة على تحويل بوصلة الاقتصاد نحو "الإنتاجية السلعية والخدمية المباشرة"، وإلى أن تتجه الاستثمارات والحلول المالية الذكية نحو دعم المصانع، والمزارعين، والمشاريع الإنتاجية التي تصدر وتوفر البديل المحلي، ستظل هذه النماذج مجرد أدوات لتنشيط الدورة الاستهلاكية، دون أن تترك أثراً ينعكس بالتعافي والنمو على هيكل الاقتصاد الوطني الحقيقي.
ورغم الثروة التي جمعها منير نخلة من عرق أصحاب القروض ومن الفوائد والغرامات العالية لم يفكر رجل الأعمال الذي يقدم نفسه على أنه رائد أعمال ويصدح بتصريحاته عن أولويات الاقتصاد الحديث لم يفكر في إنشاء مشروع صناعي أو زراعي ذو قيمة ويساهم في دعم الاقتصاد الوطني وتشغيل الشباب وزيادة قدرة المنافسة والإنتاج بدلا من تقديم قروض استهلاكية جاهزة ومعلبة تثقل الآلاف بديون وغرامات تنتهي بالفضيحة والتجريس عند أول تعثر في دفع الأقساط..
لم يكلف نخلة نفسه التساؤل حول قدرة أو مصدر المقترض والذي غالباً ما يكون فقيرا أو ليس لديه دخل معقول وإلا ماكان التجأ للاقتراض مع كل تلك الفائدة والغرامات كيف سوف يسدد العميل القرض وقد حوله إلى فريسة للقروض السهلة التي لاتيني اقتصادا أو تساعد إنسانا في بناء مشروع فالفوائد والديون السريعة لا تعطي فرصة لأصحاب القروض ليتنفسوا.. ألم يفكر يوما إنه يحول شريحة عريضة من الشعب إلى غارمين وعالة على أنفسهم وعلى المجتمع.. فئة تقهرها الديون وتقضم ظهرها الفوائد.. أم أن الربح وحده ما يهمه حتى لو كان علي حساب إفقار الآخرين وتدمير قيم المجتمع؟!.
