«خطوط وهمية» بأسماء المواطنين.. خبير يحذر: القضية تمس الأمن القومي
قد يحمل المواطن هاتفه ويستخدم رقمه بشكل طبيعي، دون أن يعرف أن بياناته الشخصية قد تكون مرتبطة بخطوط أخرى لا يستخدمها ولا يعلم بوجودها من الأساس.
هذه الظاهرة، التي تُعرف إعلاميًا بـ«الخطوط الوهمية»، لم تعد مجرد مشكلة تتعلق بخدمات الاتصالات، وإنما تحولت إلى قضية أكثر تعقيدًا تمس خصوصية المواطنين وأمن بياناتهم، بحسب الدكتور محمد حجازي، استشاري تشريعات التحول الرقمي والابتكار والملكية الفكرية.
ويرى حجازي أن استخدام الرقم القومي للمواطن في تسجيل خطوط محمول لدى أشخاص آخرين يمثل خطرًا بالغًا، مؤكدًا أن الأمر يستدعي إعادة النظر في منظومة الحوكمة والرقابة على قطاع الاتصالات بالكامل.
125 مليون خط.. الرقم يفتح باب الأسئلة
وخلال لقائه مع الإعلامي أحمد موسى في برنامج «على مسئوليتي» عبر قناة «صدى البلد»، أشار حجازي إلى أن بيانات الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات الصادرة في أبريل 2026 كشفت وصول عدد خطوط المحمول المستخدمة لدى شركات الاتصالات إلى نحو 125 مليون خط.
ويرى أن هذا الرقم يفتح الباب أمام العديد من التساؤلات حول طبيعة استخدام هذه الخطوط، خاصة مع احتمالية وجود خطوط مسجلة بأسماء مواطنين دون علمهم، أو خطوط تنتقل بين الأشخاص بعد تسجيلها باسم شخص آخر.
كيف تظهر الخطوط الوهمية؟
بحسب حجازي، فإن المشكلة لا ترتبط بمسار واحد، وإنما يمكن أن تنتج عن عدة صور مختلفة من استخدام خطوط المحمول.
من بينها الخطوط التي تحصل عليها الشركات لموظفيها ضمن أنظمة خطوط البيزنس، ثم يجري تداولها أو بيعها خلال فترات العروض، إلى جانب الخطوط التي يشتريها المواطنون من الفروع الرسمية ثم يقومون بإعطائها أو بيعها أو تأجيرها لأشخاص آخرين.
أما الصورة الأكثر خطورة، فهي أن يجد المواطن خطوطًا مسجلة باسمه رغم أنه لم يتعاقد عليها ولم يستخدمها من الأساس.
وهنا تتحول المسألة من مجرد مخالفة في إجراءات التسجيل إلى أزمة تتعلق بمن يملك الخط فعليًا، ومن يستخدمه، ومن يتحمل المسؤولية عن أي نشاط يتم من خلاله.
الرقم القومي في قلب الأزمة
الخطورة، وفقًا لحجازي، تكمن في ارتباط خطوط المحمول ببيانات الهوية الشخصية، وعلى رأسها الرقم القومي.
فإذا كان الخط مسجلًا باسم شخص، بينما يستخدمه شخص آخر، فإن بيانات صاحب الرقم تصبح مرتبطة بخط لم يستخدمه وربما لا يعرف عنه شيئًا.
ولهذا يرى حجازي أن تأكيد هوية المستخدم الفعلي للخطوط يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من أي منظومة جديدة للحوكمة والرقابة.
«الحوكمة تحتاج إلى إعادة تقييم»
ولم يتوقف الأمر عند آليات تسجيل الخطوط، إذ دعا حجازي إلى إعادة تقييم منظومة الحوكمة والرقابة على شركات الاتصالات، بحيث تشمل حلولًا واضحة لمختلف الحالات، سواء للمواطنين المقيمين داخل مصر أو خارجها.
كما أشار إلى ضرورة تطوير آليات الاستعلام عن الخطوط المسجلة باسم المواطن، بما يسمح له بمعرفة جميع الخطوط المرتبطة ببياناته بصورة واضحة وآمنة.
وانتقد في هذا السياق بعض القيود المتعلقة بعرض بيانات الأرقام، مشيرًا إلى أن إظهار جزء من الرقم فقط لا يقدم للمواطن الصورة الكاملة التي يحتاج إليها للتأكد من الخطوط المسجلة باسمه.
من «رقم مجهول» إلى خطر حقيقي
المشكلة في الخطوط الوهمية لا تتوقف عند كون المواطن قد يدفع ثمن خط لم يشتره، وإنما تمتد إلى المسؤولية القانونية والأمنية والرقمية التي يمكن أن تترتب على استخدام هذا الخط.
ففي عالم أصبحت فيه أرقام المحمول مرتبطة بالحسابات البنكية والتطبيقات الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي والخدمات الحكومية، لم يعد رقم الهاتف مجرد وسيلة لإجراء مكالمة.
أصبح الرقم جزءًا من الهوية الرقمية للمواطن.
ولهذا، فإن وجود خط مسجل ببيانات شخص لا يستخدمه فعليًا يخلق فجوة بين صاحب الهوية وصاحب الاستخدام، وهي فجوة يرى حجازي أنها تحتاج إلى معالجة عاجلة من خلال منظومة أكثر دقة في التسجيل والمتابعة والرقابة.
وفي النهاية، فإن أزمة «الخطوط الوهمية» تطرح سؤالًا أكبر من مجرد: كم خطًا مسجلًا باسمك؟
السؤال الأهم هو: من يستخدم هذه الخطوط؟ وهل تعرف كل الأرقام المرتبطة بهويتك؟
وبحسب رؤية خبير تشريعات التحول الرقمي، فإن الإجابة عن هذا السؤال وإغلاق هذه الثغرات لم تعد رفاهية، وإنما خطوة ضرورية لحماية بيانات المواطنين وتعزيز أمن منظومة الاتصالات والهوية الرقمية في مصر.

