الفسطاط تستغيث.. الباتروس تحول أرض توسعات متحف الحضارة إلى مشروع ترفيهي.. من يمتلك قرار بيع تاريخ المصريين؟
في المكان الذي شهد ميلاد القاهرة الأولى، وبين جدران تحمل حكايات آلاف السنين، عاد الجدل من جديد حول مصير واحدة من أكثر المناطق ارتباطا بتاريخ مصر وحضارتها. فالأمر لم يعد مجرد مشروع استثماري جديد أو فندق يبحث عن موقع مميز، بل أصبح سؤالا أكبر يطرحه كثيرون،وهو من يمتلك قرار تغيير مصير أماكن تحمل ذاكرة المصريين؟ ومن يملك حق تحويل إرث تاريخي إلى مشروع تجاري؟
القصة بدأت بعدما تقدمت مجموعة "بيك الباتروس" الفندقية بعرض رسمي للحصول على مساحة كانت مخصصة ضمن مخطط توسعات المتحف القومي للحضارة المصرية بالفسطاط، لإقامة مشروع فندقي ضخم باستثمارات تقدر بنحو 4 مليارات و24 مليون جنيه، بنظام حق الانتفاع لمدة 25 عامًا.
وبحسب التصور المقدم، فإن المشروع يتضمن إنشاء فندق بطاقة تتراوح بين 180 و200 غرفة، إلى جانب مطاعم عالمية، وحدائق داخلية، وقاعات للمؤتمرات، ومرافق ترفيهية، لكن الجزء الذي أثار موجة واسعة من التساؤلات هو الحديث عن إنشاء مبنى زجاجي على شكل هرم يضم بارا وملهى ليلي، في منطقة لا تحمل قيمة اقتصادية فقط، وإنما تحمل جزءًا من هوية مصر الحضارية.
فالقطعة محل النقاش لم تكن أرضًا عادية خالية من القيمة، بل كانت جزءًا من مخطط توسعات المتحف القومي للحضارة المصرية، لتكون امتدادًا مستقبليًا لقاعات العرض واستيعاب المزيد من القطع الأثرية، وهو ما جعل خبراء في مجال الآثار يبدون تخوفهم من تغيير طبيعة استخدام هذه المساحات التي تمثل احتياطيًا مهمًا لأي تطوير مستقبلي للمتحف.
الجدل هنا لا يدور حول رفض الاستثمار أو معارضة المشروعات السياحية، فالسياحة أحد أهم مصادر الدخل لمصر، والمشروعات الجديدة توفر فرص عمل وتدعم الاقتصاد، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل كل مكان يمكن أن يتحول إلى مشروع استثماري؟ وهل هناك مناطق يجب أن تبقى خارج حسابات الربح والخسارة؟
الفسطاط ليست مجرد منطقة جغرافية، فهي واحدة من أقدم مناطق القاهرة، تحمل طبقات متراكمة من التاريخ، وتضم آثارا وشواهد تحكي قصة حضارات تعاقبت على أرض مصر. لذلك يرى كثيرون أن التعامل مع محيط المؤسسات الثقافية الكبرى يجب أن يكون مختلفًا، لأن قيمة هذه الأماكن لا تقاس فقط بسعر الأرض أو حجم العائد المالي المتوقع.
فالفندق يمكن إنشاؤه في أكثر من مكان، والمشروع التجاري يمكن تغييره أو استبداله، لكن فقدان جزء من الرؤية الثقافية التي بنيت عليها المتاحف الكبرى قد يكون أمرًا يصعب تعويضه بعد ذلك.
ويبقى السؤال الذي يشغل الرأي العام.. متى تتحرك الجهات المسؤولة لوضع قواعد واضحة تحمي آثار المصريين وتراثهم من أي استخدام قد يغير هوية المكان.. ومن يملك قرار التصرف في أراضٍ ارتبطت بتاريخ وحضارة شعب بأكمله؟
لأن القضية في النهاية ليست مجرد قطعة أرض أو مشروع بمليارات الجنيهات، لكنها مرتبطة بحق أجيال قادمة في أن ترى تاريخها محفوظا كما ورثناه، لا أن تجد جزءًا من ذاكرتها تحول إلى مشروع ترفيهي.
