مصر وتركيا تعيدان رسم خريطة النقل.. 5 مسارات ملاحية وفرص واعدة لتعزيز التجارة واللوجستيات
يشهد قطاع النقل واللوجستيات في المنطقة تحولات متسارعة مع ظهور ممرات تجارية جديدة وإعادة رسم خريطة حركة التجارة العالمية، ما يدفع مصر إلى تعزيز التعاون الإقليمي والاستفادة من موقعها الجغرافي الرابط بين البحرين المتوسط والأحمر وقناة السويس.
ويرى خبراء في اقتصاديات النقل واللوجستيات أن التعاون المصري التركي يمثل فرصة مهمة لتعظيم دور الموانئ المصرية، وزيادة حركة الترانزيت، وجذب استثمارات جديدة في قطاعات الصناعة والنقل البحري والخدمات اللوجستية، إلا أن تحقيق هذه المكاسب يرتبط بسرعة تحويل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم إلى مشروعات تنفيذية فعلية.
التكامل مع تركيا يمنح مصر فرصة للاستفادة من 5 مسارات ملاحية نحو أوروبا
قال الدكتور أحمد الشامي، مستشار وخبير اقتصاديات النقل ودراسات الجدوى، إن عام 2026 شهد تطوراً ملحوظاً في مسار العلاقات المصرية التركية، كان من أبرز محطاته انعقاد الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بالقاهرة، برئاسة الرئيس عبدالفتاح السيسي والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والذي أسفر عن توقيع نحو 18 اتفاقية ومذكرة تفاهم في مجالات متعددة، مع استهداف زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 15 مليار دولار بحلول عام 2028.
وأوضح أن أحدث الاتفاقيات الموقعة خلال العام الحالي جاءت في مجال النقل واللوجستيات، وشملت تعزيز استخدام ممرات النقل الدولية، وتطوير حركة الترانزيت، ودعم النقل البحري والبري، إلى جانب تطوير خطوط «الرورو» لنقل الشاحنات والمركبات بحراً، وتسهيل حركة الركاب والبضائع، والتنسيق بشأن «الممر الأوسط» و«طريق التنمية» الرابط بين آسيا وأوروبا عبر تركيا.
وأكد الشامي أن مذكرة التفاهم الخاصة بالنقل واللوجستيات تمثل فرصة لتعزيز حركة التجارة بين الموانئ المصرية والتركية، وتنشيط خطوط الرورو بين شرق البحر المتوسط والبحر الأحمر، ودعم مكانة قناة السويس كمركز لوجستي عالمي.
وأشار إلى أن هذا التكامل يتيح لمصر الاستفادة من خمسة مسارات ملاحية رئيسية تشمل مضيق هرمز، وباب المندب، والبحر الأحمر، والبلقان، والبسفور، وصولاً إلى الأسواق الأوروبية، بما يعزز قدرة مصر على لعب دور أكبر في منظومة التجارة العالمية.
4 قطاعات مرشحة لجذب الاستثمارات التركية إلى مصر
ولفت الشامي إلى أن هناك عدداً من القطاعات التي يمكن أن تستفيد من التعاون المصري التركي خلال الفترة المقبلة، وفي مقدمتها المناطق الصناعية، خاصة أن الشركات التركية تمتلك خبرات واسعة في صناعات النسيج والملابس الجاهزة والأجهزة المنزلية والصناعات الهندسية.
وذكر أن المراكز اللوجستية ومناطق التخزين تمثل فرصة مهمة، موضحاً أن مناطق مثل شرق بورسعيد والعين السخنة والإسكندرية يمكن أن تتحول إلى مراكز لتجميع البضائع التركية وإعادة تصديرها إلى الأسواق الإقليمية.
وأفاد بأن النقل البحري وخطوط «الرورو» يعدان من المجالات الواعدة، خاصة أن تركيا تمتلك خبرة كبيرة في تشغيل هذه الخطوط بشرق البحر المتوسط، إلى جانب فرص التعاون في مجال بناء السفن والصيانة البحرية.
الترانزيت المصري التركي يحتاج إلى منظومة لوجستية متكاملة
وشدد الشامي على أن زيادة تجارة الترانزيت ليست نتيجة تلقائية للتقارب السياسي، وإنما تحتاج إلى توفير مزايا اقتصادية واضحة تجعل الشركات العالمية تفضل استخدام الموانئ المصرية.
ولفت إلى أن التحدي الحقيقي أمام مصر لا يتمثل فقط في إنشاء الأرصفة أو توقيع الاتفاقيات، وإنما في بناء منظومة متكاملة تشمل سرعة الإفراج الجمركي، وخفض تكلفة النقل الداخلي، وتوفير مناطق تخزين، وربط الموانئ بشبكات الطرق والسكك الحديدية، وتقديم حوافز استثمارية مستقرة.
وألمح إلى أن نجاح مصر في تحقيق هذه العناصر يمكن أن يحول التعاون المصري التركي من مجرد زيادة في حجم التجارة إلى شراكة صناعية ولوجستية حقيقية.
علي: التكامل مع الممرات الجديدة أفضل من منافستها
وقال الدكتور محمد علي، خبير اللوجستيات ومستشار وزير النقل السابق، إن مذكرة التفاهم المصرية التركية تعد إطاراً عاماً للتعاون يحتاج إلى التحول إلى مشروعات تنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة.
وتابع: إن خريطة النقل والتجارة في المنطقة تشهد تغيرات كبيرة مع ظهور ممرات جديدة، من بينها «طريق التنمية» الذي يربط العراق بتركيا، والممرات الاقتصادية التي تربط آسيا بأوروبا، مؤكداً أن التعامل مع هذه التحولات يجب أن يقوم على التكامل وليس المنافسة.
وأكمل: أن مصر مطالبة بأن تكون جزءاً من هذه المشروعات الإقليمية، حتى تتمكن من تعويض أي تغيرات في حركة التجارة العالمية، والاستفادة من الفرص الجديدة بدلاً من الاكتفاء بمواجهة آثارها.
إعادة تشغيل خطوط الرورو مع تركيا فرصة لتعزيز حركة التجارة
ونوه إلى إمكانية إعادة دراسة مشروع خط «الرورو» بين مصر وتركيا، ووضع ضوابط جديدة تعالج التحديات السابقة، بما يجعله أحد محاور التعاون الرئيسية بين البلدين.
وأكد أن مصر لديها تجربة ناجحة في تشغيل خطوط الرورو مع إيطاليا، ويمكن الاستفادة منها في تطوير التعاون مع تركيا، بما يدعم حركة السفن ويزيد من كفاءة الموانئ المصرية.
وشدد على أن التعاون لا يجب أن يقتصر على النقل البحري فقط، بل يمكن أن يمتد إلى مشروعات خطوط الأنابيب والممرات التجارية الجديدة، بما يتيح لمصر دوراً في إعادة تشكيل منظومة النقل الإقليمية.
كامل: الخبرة التركية تدعم تطوير الترسانات البحرية المصرية
وأوضح الدكتور محمد كامل، الباحث في شؤون النقل الدولي واللوجستيات والمستشار الاقتصادي، أن التعاون المصري التركي في قطاع النقل يأتي ضمن توجه لتعزيز التوازن التجاري بين البلدين وزيادة الاستفادة من القدرات الصناعية والخدمية المتاحة.
وأشار إلى أن تركيا تمتلك قاعدة صناعية قوية، كما أن عدداً من الشركات التركية توسعت في الاستثمار داخل مصر، خاصة بالمناطق الصناعية والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وهو ما يساهم في نقل الخبرات والتكنولوجيا.
وواصل: أن التعاون في مجال النقل البحري يمكن أن يفتح فرصاً كبيرة لتطوير خطوط الرورو وزيادة حركة الترانزيت، موضحاً أن جذب هذه التجارة يتطلب تبسيط الإجراءات الجمركية وتقليل زمن بقاء الحاويات داخل الموانئ وخفض تكلفة الخدمات.
واستطرد: أن انضمام مصر إلى اتفاقية «TIR» يمثل خطوة مهمة لتسهيل حركة التجارة البرية واللوجستية مع الدول الأعضاء، ومن بينها تركيا التي تعد من الدول الرئيسية في تطبيق الاتفاقية.
وأشار إلى أن تطوير التعاون في مجال إصلاح وبناء السفن يمثل فرصة مهمة، خاصة مع امتلاك تركيا خبرات متقدمة يمكن الاستفادة منها في تطوير الترسانات البحرية المصرية ورفع قدرتها على التعامل مع السفن الحديثة.
الاستقرار الإقليمي شرط أساسي لتحقيق المكاسب الاقتصادية
وقال أحمد صابر سالم، خبير النقل الدولي واستشاري سلاسل الإمداد، إن تحويل مذكرة التفاهم المصرية التركية إلى نتائج اقتصادية ملموسة يرتبط بدرجة كبيرة باستقرار الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة.
وأوضح أن التوترات في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، إلى جانب التطورات المرتبطة بمضيق هرمز، تؤثر على حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، وهو ما قد يبطئ تنفيذ بعض المشروعات اللوجستية.
وأشار إلى أن ارتفاع تكاليف الشحن والإنتاج يمثل تحدياً إضافياً أمام حركة التجارة، خاصة مع استمرار اعتماد العديد من الصناعات على المواد الخام القادمة من الأسواق الآسيوية.
وأكد أن العالم لا يزال يبحث عن بدائل لمسارات التجارة التقليدية، إلا أن الممرات الجديدة ما زالت تواجه تحديات تشغيلية تمنعها من التحول الكامل إلى بدائل للممرات البحرية الكبرى.
مصر أمام فرصة لتعزيز دورها كمركز لوجستي إقليمي
وتشير رؤية الخبراء إلى أن التعاون المصري التركي يحمل فرصاً واسعة لتعزيز مكانة مصر في قطاع النقل والتجارة الدولية، مستفيداً من الموقع الجغرافي الفريد، وشبكة الموانئ، وقناة السويس، إلا أن تحقيق هذه الفرص يتطلب سرعة تنفيذ المشروعات وتحسين القدرة التنافسية للخدمات اللوجستية المصرية.
