اختفاء الشهادات السنوية من البنوك.. هل انتهى زمن العائد المرتفع؟
تشهد الشهادات الادخارية في البنوك المصرية تحولًا ملحوظًا خلال الفترة الحالية، بعدما بدأت البنوك تتخلى تدريجيًا عن الشهادات السنوية مرتفعة العائد، والتي كانت أحد أبرز أدوات جذب السيولة خلال السنوات الماضية، لتفتح الباب أمام مرحلة جديدة تعتمد بشكل أكبر على الشهادات الثلاثية والمنتجات الادخارية المرتبطة بتحركات أسعار الفائدة.
هذا التحول لم يأتِ بصورة مفاجئة، لكنه يعكس تغيرًا في السياسة المصرفية بعد دخول الاقتصاد المصري مرحلة مختلفة عن تلك التي فرضت على البنوك سابقًا تقديم عوائد استثنائية وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، بهدف مواجهة موجات التضخم وامتصاص السيولة من الأسواق.
ويرى خبراء مصرفيون أن اختفاء الشهادات السنوية لا يعني انتهاء المنافسة بين البنوك، وإنما يمثل إعادة هيكلة لسوق الادخار بما يتناسب مع توقعات المرحلة المقبلة، خاصة مع استمرار الحديث عن دورة تيسير نقدي تدريجية يقودها البنك المركزي.
لماذا تختفي الشهادات السنوية؟
اعتمدت البنوك خلال فترة ارتفاع التضخم على الشهادات قصيرة الأجل بعوائد مرتفعة للغاية، وصلت في بعض الفترات إلى 30%، بهدف جذب السيولة والمحافظة على القوة الشرائية للمدخرات.
لكن مع تراجع الضغوط التضخمية تدريجيًا، أصبحت هذه الشهادات تمثل عبئًا كبيرًا على ميزانيات البنوك، لأنها تلزمها بسداد عوائد مرتفعة حتى لو انخفضت أسعار الفائدة بعد ذلك.
ولهذا بدأت المؤسسات المصرفية في إعادة ترتيب منتجاتها الادخارية، والاعتماد على الشهادات الأطول أجلًا، خاصة الثلاثية، لأنها تمنح البنوك مرونة أكبر في إعادة تسعير العائد مع كل قرار جديد يصدر عن البنك المركزي.
الشهادات الثلاثية تتصدر المنافسة
أصبحت المنافسة الرئيسية بين البنوك تدور الآن حول الشهادات الثلاثية، سواء ذات العائد الثابت أو المتغير.
فقد طرح البنك الأهلي المصري وبنك مصر شهادة ثلاثية بعائد متغير يبلغ 19.25%، مرتبطًا بسعر الإيداع لدى البنك المركزي مضافًا إليه 0.25%، وهو ما يسمح للبنكين بخفض تكلفة الأموال تلقائيًا مع أي قرار مستقبلي بخفض أسعار الفائدة.
في المقابل، رفع البنك التجاري الدولي (CIB) العائد على إحدى الشهادات الثلاثية الثابتة إلى 18%، في محاولة للاحتفاظ بالعملاء الراغبين في تثبيت عائد مرتفع قبل أي خفض مرتقب للفائدة.
كيف عوضت البنوك اختفاء الشهادات السنوية؟
لم تترك البنوك فراغًا بعد اختفاء الشهادات السنوية، لكنها بدأت في طرح بدائل مختلفة.
البنك التجاري الدولي، على سبيل المثال، قدم وديعة لمدة 12 شهرًا بعائد يصل إلى 17%، وبحد أدنى للإيداع يبلغ 5 آلاف جنيه.
كما طرحت الحكومة في وقت سابق "سند المواطن" بعائد ثابت 17.75% لمدة 18 شهرًا، مستهدفة شريحة من المدخرين الباحثين عن منتج متوسط الأجل، خاصة في ظل غياب الشهادات السنوية التقليدية.
هل تغيرت استراتيجية البنوك؟
يرى المحلل المصرفي محمد عبد المنعم أن اختفاء الشهادات السنوية لا يمثل تغييرًا جذريًا في سياسة البنوك، وإنما يعد مرحلة انتقالية مرتبطة بدورة السياسة النقدية الحالية.
ويشير إلى أن البنوك تسعى إلى خفض متوسط تكلفة الأموال لديها، مع الاحتفاظ بمرونة تمكنها من إعادة تسعير العائد على الودائع إذا قرر البنك المركزي خفض أسعار الفائدة خلال الاجتماعات المقبلة.
كما أن الشهادات طويلة الأجل تمنح البنوك مزايا تنظيمية، من بينها تخفيف بعض الأعباء المرتبطة بالاحتياطي الإلزامي، وهو ما يساعدها على إدارة السيولة بصورة أكثر كفاءة.
لماذا تفضل البنوك الشهادات طويلة الأجل؟
توضح شيماء وجيه، أستاذ الاقتصاد بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا، أن الهدف الأساسي من الشهادات الادخارية هو توفير مصادر تمويل مستقرة وطويلة الأجل، وليس مجرد جذب السيولة لفترة قصيرة.
وترى أن إصدار الشهادات السنوية بعوائد مرتفعة كان استثناءً فرضته ظروف اقتصادية غير عادية، بينما تعود البنوك الآن إلى طبيعة عملها التقليدية التي تعتمد على المنتجات طويلة الأجل.
ويتفق معها الخبير المصرفي محمد عبد العال، مؤكدًا أن الشهادات الثلاثية تساعد البنوك على تمويل القروض والاستثمارات طويلة الأجل دون حدوث فجوة بين آجال الودائع وآجال التمويل.
لماذا ظهرت الشهادات السنوية من الأساس؟
لم تكن الشهادات السنوية مرتفعة العائد منتجًا مصرفيًا معتادًا قبل سنوات.
فقد ظهرت بقوة خلال موجة التضخم التي شهدتها مصر في عامي 2022 و2023، عندما تجاوز التضخم مستويات 38%، وأصبحت العوائد الحقيقية على المدخرات سالبة، ما دفع البنوك إلى تقديم عوائد استثنائية للحفاظ على جاذبية الادخار.
ويصف محمد عبد العال هذه الشهادات بأنها كانت "حلًا استثنائيًا لظروف استثنائية"، مؤكدًا أن استمرارها لم يكن ممكنًا بعد تغير المؤشرات الاقتصادية.
هل توجد فجوة في المنتجات الادخارية؟
ترى الخبيرة المصرفية سهر الدماطي أن سوق الشهادات والمنتجات الادخارية لا يعاني من نقص، بل يضم تنوعًا كبيرًا يلائم احتياجات مختلف العملاء.
وتؤكد أن المستثمر الذي يبحث عن عائد مستقر غالبًا ما يكون المستفيد الأكبر من الشهادات طويلة الأجل، خاصة مع استمرار معدلات التضخم أعلى من المستهدف الرسمي للبنك المركزي.
ماذا يقول البنك المركزي؟
قرر البنك المركزي المصري تثبيت أسعار الفائدة للاجتماع الثالث على التوالي، بعدما سجل معدل التضخم السنوي 14.3% خلال يونيو مقابل 14.6% في مايو.
ويتوقع المركزي ارتفاعًا محدودًا للتضخم خلال الربع الثالث من عام 2026، قبل أن يعاود الانخفاض تدريجيًا ليصل إلى مستهدفه البالغ 7% (±2%) خلال النصف الثاني من عام 2027.
وتعني هذه التوقعات أن دورة خفض الفائدة ستكون تدريجية، وهو ما يفسر اتجاه البنوك إلى التركيز على الشهادات المرتبطة بالفائدة المتغيرة أو المنتجات طويلة الأجل.
هل يمكن أن تعود الشهادات السنوية مرة أخرى؟
يرى الخبراء أن عودة الشهادات السنوية مرتفعة العائد ليست مستحيلة، لكنها ستتطلب توافر ظروف استثنائية مشابهة لما حدث خلال أزمة التضخم.
ومن أبرز هذه الشروط:
ارتفاع التضخم مجددًا إلى مستويات تفوق أسعار الفائدة.
تحول العائد الحقيقي على المدخرات إلى قيمة سالبة.
احتياج البنوك إلى جذب سيولة كبيرة خلال فترة قصيرة.
عودة البنك المركزي إلى دورة رفع أسعار الفائدة.
إلى أين تتجه المنافسة بين البنوك؟
يتوقع مصرفيون أن تشهد المرحلة المقبلة تحولًا في المنافسة، بحيث لا تعتمد البنوك فقط على الشهادات أو رفع أسعار العائد، وإنما تتجه بصورة أكبر إلى تحسين جودة الخدمات المصرفية الرقمية، وتطوير التطبيقات البنكية، وتقديم حلول ادخارية واستثمارية أكثر تنوعًا.
وبذلك، يبدو أن سوق الشهادات في مصر يدخل مرحلة مختلفة، تقوم على تحقيق التوازن بين مصلحة المدخر، وقدرة البنوك على إدارة تكلفة الأموال، في انتظار المسار النهائي لأسعار الفائدة والتضخم خلال الأشهر المقبلة.
