الأحد 05 يوليو 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير
عمرو عامر
تحليل

البطالة الأمريكية تتراجع على الورق.. وسوق العمل في عالم موازي برسائل تحذيرية

الأحد 05/يوليو/2026 - 09:50 م
ارشيفية
ارشيفية

بدا تقرير الوظائف الأمريكي لشهر يونيو في ظاهره مطمئنًا، بعدما تراجع معدل البطالة إلى 4.2%، وهو أدنى مستوى خلال عام. 

لكن القراءة المتعمقة للبيانات تكشف صورة مختلفة تمامًا، إذ لم يكن انخفاض البطالة نتيجة طفرة في التوظيف، وإنما جاء مدفوعًا بخروج أعداد كبيرة من الأمريكيين من سوق العمل، وهو ما أثار مخاوف الاقتصاديين بشأن قوة سوق العمل خلال المرحلة المقبلة.

وفقًا لبيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي، تراجع معدل المشاركة في القوى العاملة إلى 61.5%، وهو أدنى مستوى منذ مارس 2021، ويُعد من أقل المستويات المسجلة خلال نحو خمسين عامًا إذا استُبعدت فترة جائحة كورونا.

ويعني ذلك أن نسبة متزايدة من الأمريكيين في سن العمل لم تعد تعمل أو تبحث عن وظيفة، وبالتالي لم تعد تُحتسب ضمن معدل البطالة.

وتعكس الأرقام حجم هذا التحول؛ إذ انخفضت القوى العاملة خلال يونيو بنحو 720 ألف شخص، بينما ارتفع عدد الأفراد المصنفين ضمن فئة "خارج القوى العاملة" بنحو 832 ألف شخص، وهي الفئة التي تضم غير العاملين الذين توقفوا عن البحث عن وظائف. ولهذا السبب بدا معدل البطالة أقل مما توحي به أوضاع سوق العمل الحقيقية.

تناقض واضح بين مؤشري التوظيف

أحد أبرز ما كشفه التقرير هو التباين الكبير بين مسحي الوظائف اللذين تعتمد عليهما الحكومة الأمريكية، بينما أظهر مسح المنشآت  الذي يقيس عدد الوظائف في الشركات والمؤسسات  إضافة نحو 57 ألف وظيفة خلال يونيو، كشف مسح الأسر الذي يقيس عدد الأشخاص العاملين فعليًا عن انخفاض حاد بلغ 507 آلاف شخص.

وعلى أساس سنوي، انخفض حجم القوى العاملة بأكثر من مليون شخص، كما تراجع عدد العاملين بنحو 1.06 مليون شخص، مقابل زيادة طفيفة في عدد العاطلين بلغت 40 ألف شخص فقط. كما انخفضت نسبة التوظيف إلى إجمالي السكان إلى 59%، وهو أدنى مستوى منذ أكتوبر 2021.

هل السبب التقاعد والهجرة؟

يرى بعض المحللين أن انخفاض المشاركة يعود إلى خروج المزيد من كبار السن إلى التقاعد، إلى جانب تباطؤ الهجرة التي كانت تمثل أحد مصادر نمو القوى العاملة الأمريكية خلال السنوات الماضية.

فالانخفاض الأكبر لم يكن بين كبار السن، وإنما بين الفئة العمرية الأكثر نشاطًا في سوق العمل، وهي من 25 إلى 54 عامًا، حيث تراجع معدل مشاركتها بمقدار 0.6 نقطة مئوية إلى 83.3%، وهو أدنى مستوى منذ ديسمبر 2023.

ويشير ذلك إلى أن جزءًا من الانسحاب لا يرتبط بالتقاعد بقدر ما يعكس إحباطًا لدى الباحثين عن العمل أو صعوبة العثور على وظائف مناسبة.

اقتصاديون: الأرقام تستحق القلق

قال دان نورث، كبير الاقتصاديين لمنطقة أمريكا الشمالية في شركة أليانز، إن التركيز على معدل البطالة وحده قد يكون مضللًا، موضحًا أن المؤشر الأكثر أهمية حاليًا هو معدل المشاركة في القوى العاملة.

وأضاف أن الانخفاض الكبير خلال شهر واحد، إلى جانب التراجع المستمر على مدار العام الماضي، يمثلان إشارات تستحق المتابعة، مشيرًا إلى أن تفسير الأرقام بالتقاعد أو الهجرة لم يعد كافيًا لتفسير هذا التراجع.

بدوره، وصف مايك ريد، رئيس قسم الاقتصاد الأمريكي في بنك RBC، ما يحدث بأنه "نزوح واسع من سوق العمل"، مرجحًا أن يكون مزيجًا من التقاعد المبكر، إلى جانب توقف كثير من الباحثين عن العمل عن مواصلة البحث بعد فترات طويلة من عدم العثور على وظائف.

أما هيذر لونغ، كبيرة الاقتصاديين في مؤسسة Navy Federal Credit Union، فأشارت إلى أن توقف 720 ألف شخص عن البحث عن عمل خلال شهر واحد يعد رقمًا لافتًا، خاصة مع تسجيل قطاعي الترفيه والضيافة خسائر في الوظائف، مؤكدة أن سوق العمل لا يزال أفضل مما كان عليه قبل عام، لكنه أصبح أقل قدرة على توفير فرص عمل جديدة.

ماذا تعني هذه الأرقام للأسواق؟

تكتسب بيانات سوق العمل أهمية استثنائية لأنها تمثل أحد أهم المؤشرات التي يعتمد عليها مجلس الاحتياطي الفيدرالي في تحديد مسار أسعار الفائدة.

وفي المقابل، إذا اعتبر الفيدرالي أن انخفاض البطالة لا يزال يعكس قوة الاقتصاد، فقد يفضل الإبقاء على سياسته النقدية دون تغيير، وهو ما يبقي حالة الترقب مسيطرة على الأسواق.

وفي جميع الأحوال، تكشف أرقام يونيو أن معدل البطالة لم يعد وحده كافيًا للحكم على صحة سوق العمل الأمريكي. فالانخفاض الظاهري في البطالة يخفي وراءه تراجعًا مستمرًا في المشاركة، وانسحاب مئات الآلاف من الأمريكيين من البحث عن عمل، وهي مؤشرات يراها كثير من الاقتصاديين أكثر تعبيرًا عن واقع الاقتصاد الأمريكي من الرقم الرسمي للبطالة.