رغم تراجع أسعار النفط.. لماذا تتجه التوقعات إلى تثبيت أسعار الفائدة في مصر؟
تتجه الأنظار إلى الاجتماع المرتقب للجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، وسط توقعات واسعة النطاق بالإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير للمرة الثالثة على التوالي، رغم التراجع الملحوظ في أسعار النفط العالمية وتحسن أداء الجنيه أمام الدولار.
وأجمعت 10 مؤسسات مالية وبنوك استثمار، في استطلاع أجرته "الشرق بلومبرغ"، على أن البنك المركزي سيبقي أسعار الفائدة عند 19% للإيداع لليلة واحدة و20% للإقراض، في ظل استمرار الضغوط التضخمية وحرص السلطات النقدية على الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي.
ويأتي هذا التوجه بعد سلسلة من التخفيضات الكبيرة في أسعار الفائدة، إذ خفض البنك المركزي المصري الفائدة بنحو 725 نقطة أساس خلال عام 2025، قبل أن يجري خفضًا إضافيًا بمقدار 100 نقطة أساس في فبراير 2026، ما يجعل صناع السياسة النقدية أكثر ميلاً إلى التريث قبل اتخاذ أي خطوات جديدة.
التضخم لا يزال أعلى من المستهدف
يرى محللون أن السبب الرئيسي وراء توقعات تثبيت أسعار الفائدة يتمثل في استمرار معدل التضخم عند مستويات مرتفعة نسبيًا، رغم تراجعه للشهر الثاني على التوالي.
وسجل معدل التضخم السنوي في المدن المصرية 14.6% خلال مايو، وهو أقل من مستوياته السابقة، لكنه لا يزال أعلى بكثير من المعدلات التي يستهدفها البنك المركزي على المدى المتوسط، ما يدفعه إلى تبني سياسة نقدية حذرة.
كما ينتظر المستثمرون صدور بيانات التضخم لشهر يونيو، والتي قد تعكس أثر انخفاض أسعار النفط العالمية بنحو 20% خلال الشهر، إضافة إلى المكاسب التي حققها الجنيه المصري أمام الدولار، إلا أن هذه التطورات قد لا تكون كافية لتبرير استئناف دورة خفض الفائدة في الوقت الحالي.
أسعار النفط ليست العامل الوحيد
ورغم أن انخفاض أسعار النفط يساهم عادة في تقليل الضغوط التضخمية عبر خفض تكلفة الوقود والنقل والإنتاج، فإن خبراء الاقتصاد يشيرون إلى أن قرار الفائدة يعتمد على مجموعة واسعة من المؤشرات، وليس على أسعار الطاقة فقط.
فالبنك المركزي يراقب أيضًا تطورات أسعار السلع والخدمات، وسلوك الطلب المحلي، واستقرار سعر الصرف، ومستويات السيولة في السوق، إضافة إلى توقعات التضخم خلال الأشهر المقبلة.
كما أن تأثير انخفاض أسعار النفط على التضخم المحلي قد يستغرق بعض الوقت حتى ينعكس بصورة كاملة على الأسعار داخل السوق المصرية.
تأثير السياسة النقدية الأميركية
من العوامل المهمة التي تدفع البنك المركزي المصري إلى التريث أيضًا استمرار حالة عدم اليقين بشأن السياسة النقدية العالمية، وعلى رأسها توجهات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.
ويتوقع متعاملون في أسواق السندات أن يقوم الفيدرالي الأميركي برفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس بحلول نهاية العام، وهو ما قد يؤثر على تدفقات رؤوس الأموال إلى الأسواق الناشئة، بما فيها مصر.
وفي ظل هذه الظروف، يسعى البنك المركزي إلى الحفاظ على جاذبية أدوات الدين المحلية للمستثمرين الأجانب، من خلال الإبقاء على عائد حقيقي مرتفع، بما يدعم استقرار سوق الصرف ويعزز تدفقات النقد الأجنبي.
ويبلغ سعر الفائدة الحقيقي في مصر نحو 4%، بعد احتساب معدل التضخم الحالي، وهو مستوى يعتبره كثير من المحللين مناسبًا للحفاظ على تنافسية السوق المصرية مقارنة بالأسواق الناشئة الأخرى.
آراء بنوك الاستثمار
اتفقت مؤسسات مالية عدة على أن تثبيت أسعار الفائدة يمثل الخيار الأكثر ترجيحًا في الاجتماع المقبل، وإن اختلفت مبرراتها.
وأشار عمرو الألفي، رئيس استراتيجيات الأسهم في "ثاندر"، إلى أن استمرار التضخم فوق المستهدف، إلى جانب حالة عدم اليقين العالمية، يدعمان الإبقاء على الفائدة دون تغيير.
ويرى هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث في "الأهلي فاروس"، أن تراجع أسعار النفط وتحسن أداء الجنيه يمثلان تطورات إيجابية، لكن البنك المركزي قد يفضل في الوقت الحالي الاعتماد على أدوات أخرى، مثل خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي، لدعم السيولة.
في المقابل، أكدت سارة سعادة، كبيرة محللي الاقتصاد الكلي في "سي آي كابيتال"، أن الظروف الحالية لا توفر مبررات قوية سواء لخفض الفائدة أو رفعها، بينما شددت آية زهير، رئيسة قسم البحوث في "زيلا كابيتال"، على أهمية تحقيق التوازن بين احتواء التضخم والحفاظ على النشاط الاقتصادي.
كما لفتت سلمى طه حسين، مديرة البحوث في "نعيم"، إلى أن خروج بعض استثمارات الأجانب من أدوات الدين الحكومية يعكس استمرار الحذر لدى المستثمرين، وهو ما يدعم استمرار السياسة النقدية المتحفظة.
أما شركة "برايم"، فرأت أن استقرار معدلات التضخم الحالية يرجح استمرار تثبيت أسعار الفائدة حتى نهاية العام، في حين اعتبر أحمد أبو حسين، رئيس مجلس إدارة "كايرو كابيتال سيكيوريتيرز"، أن طرح شهادات ادخارية مرتفعة العائد يعكس توجهًا لامتصاص السيولة الزائدة، بما يتماشى مع الإبقاء على السياسة النقدية الحالية.
متى يعود المركزي إلى خفض الفائدة؟
تشير غالبية التوقعات إلى أن استئناف دورة خفض أسعار الفائدة سيظل مرتبطًا بتحقيق انخفاض أكثر وضوحًا في معدلات التضخم، لتقترب من مستوى 10% أو أقل، بما يمنح البنك المركزي مساحة أكبر لتيسير السياسة النقدية دون تعريض استقرار الأسعار أو تدفقات الاستثمار الأجنبي للمخاطر.
وفي الوقت الراهن، تبدو الأولوية لدى صناع القرار هي الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي، ودعم جاذبية سوق الدين المحلي، ومراقبة تطورات الأسواق العالمية قبل اتخاذ أي خطوة جديدة بشأن أسعار الفائدة.
