كأس العالم 2026 في أمريكا.. مكاسب اقتصادية ضخمة أم مبالغات تسويقية؟
تتجه أنظار الأوساط الماليّة والتجاريّة والاقتصاديّة صوب الولايات المتحدة الأمريكية لرصد ومتابعة التداعيات والآثار الاقتصادية المرتقبة لتنظيم بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026 والمقرر انطلاق منافساتها في 11 يونيو المقبل، ويأتي ذلك وسط تباين واسع وملحوظ في التقديرات بين توقعات الاتحاد الدولي لكرة القدم فيفا بضخ عوائد مالية مليارية إضافية للأسواق، وتحذيرات خبراء الاقتصاد من وجود مبالغة في تقدير حجم المكاسب الفعلية المحققة محلياً.
وأفاد تقرير صدر عن شبكة أيه بي سي نيوز الأمريكية بأن فيفا يتوقع أن يساهم المونديال الكروي في ضخ مليارات الدولارات من الإنفاق الإضافي داخل السوق الأمريكية، بدعم من التدفقات الكبيرة للزوار والجروبات السياحية القادمة لحضور المباريات، والذين ينفقون أموالهم على قطاعات الفنادق، والمطاعم، والخدمات الترفيهية، في توقيت يواجه فيه الاقتصاد الأمريكي ضغوطاً تضخمية متزايدة وتراجعاً في مستويات ثقة المستهلكين، مما يجعل أي انتعاشة إنفاقية جديدة خطوة مرحباً بها.
وفي المقابل، حذر خبراء اقتصاد تحدثوا للشبكة الأمريكية من المبالغة في قراءة هذه التقديرات، مؤكدين أن الأحداث الرياضية الكبرى غالباً ما تسفر عن نتائج ومكاسب اقتصادية أقل بكثير من توقعات الجهات والمنظمات المسؤولة عن التنظيم، نظراً لأن جزءاً كبيراً وضخماً من الإيرادات الكلية يتم توجيهه مباشرة إلى خزينة الجهة المنظمة للبطولة، في حين يحل إنفاق الزوار الأجانب بدلاً من إنفاق المواطنين المحليين الذي كان سيحدث في كل الأحوال خلال موسم الصيف الحالي.
وفي هذا الصدد، أشار أستاذ اقتصاد الرياضة في كلية هولي كروس، فيكتور ماثيسون، إلى أن المونديال سيخلق حالة من الفائزين والخاسرين في السوق، مبيناً أن بعض الأنشطة والقطاعات مثل الحانات الرياضية والفنادق والمنتجعات القريبة من الملاعب والمدن المضيفة ستكون المستفيد الأكبر والأكثر وضوحاً، بينما قد تتأثر قطاعات تجارية أخرى سلباً نتيجة لإعادة توجيه حركة الأموال والإنفاق وتجنب بعض المستهلكين للازدحام المروري والتجمعات.
ووفقاً لتقديرات الاتحاد الدولي لكرة القدم، فإن البطولة العالمية قد تسهم في إضافة نحو 17 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة، مع توقعات بوصول حجم الإنفاق الإجمالي المرتبط بالحدث إلى نحو 11 مليار دولار، إلا أن بنك ساكسو الدنماركي يرى أن هذا التأثير يظل محدوداً للغاية وضئيلاً للغاية بحيث لا يتجاوز نسبة 0.1% من إجمالي الناتج المحلي السنوي لأمريكا، مؤكداً أن المونديال لا يعتبر محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي العام.
ونوه التقرير إلى أن الشق الأكبر من الإنفاق الجماهيري، وخاصة الموجه لشراء تذاكر المباريات والمنتجات الرسمية، يذهب مباشرة لصالح الفيفا، وذلك في ظل المستويات السعرية المرتفعة للتذاكر والتي تخطى بعضها حاجز 1000 دولار، الأمر الذي يقلص من حجم الأثر الاقتصادي المحلي المباشر ويحرم الشركات الصغيرة من الاستفادة المرجوة، وبدوره دافع رئيس فيفا جياني إنفانتينو عن هذه السياسة السعرية، معتبراً أن أسعار التذاكر تتوافق مع طبيعة وتنافسية أسواق الترفيه في أمريكا الشمالية، وأن الطلب القياسي يعكس القيمة العالية للحدث، لافتاً إلى أن عمليات إعادة البيع في السوق السوداء شهدت تجاوز الأسعار الأصلية بأكثر من الضعف في بعض الحالات.
وعلى الرغم من هذه التحديات، تتوقع أيه بي سي نيوز أن تجني المدن الـ11 المستضيفة للمباريات في الولايات المتحدة مكاسب متفاوتة القيمة، ولاسيما في المناطق والقطاعات المحيطة بالملاعب، ففي مدينة فيلادلفيا على سبيل المثال، يُقدر الأثر الاقتصادي بنحو 770 مليون دولار، وهو ما قد يشكل أكبر دفعة مالية واقتصادية من حدث فردي واحد في تاريخ المدينة وفقاً لشركة الاستشارات كوليرز.
أما على صعيد ومستوى الشركات والمحلات المحلية، فإن النتائج تظل غير مضمونة ومحفوفة بالمخاطر، حيث يرى المدير العام لمطعم باستيفيشيو ديلي القريب من ملعب لينكولن فاينانشال فيلد أن المونديال قد يحمل فرصاً تسويقية كبرى بفضل توافد مشجعي كرة القدم، لكنه قد يواجه في الوقت ذاته تحديات لوجستية معقدة ترتبط بازدحام حركة المرور وتغير طبيعة وأنماط إنفاق الزوار، مما يجعل المحصلة النهائية بمثابة مقامرة غير مؤكدة النتائج.
واختتمت الشبكة تقريرها بالإشارة إلى أن التأثير الأشمل والأوسع لبطولة كأس العالم قد لا يقتصر على الملف الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليشمل الأبعاد الاجتماعية والمعنوية والثقافية في المدن الأمريكية المضيفة، حيث يسهم الحدث في بث الحيوية والنشاط، على الرغم من غياب العدالة في توزيع العوائد والمكاسب الاقتصادية بين شتى القطاعات والشركات.
