مستقبل الشرق الأوسط.. صراعات المنطقة تهدد مستقبل الطاقة النظيفة حتى 2035
تواجه منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا منعطفاً تاريخياً وحرجاً في مسار تحولها نحو الطاقة النظيفة؛ فبينما يطمح العالم للوصول إلى "الحياد الصفري"، ترسم مؤسسة "فيتش سوليوشنز" صورة قاتمة لمستقبل المنطقة بحلول عام 2035.
التقرير الجديد للمؤسسة يؤكد أن خطط التحول الطاقي لن تكون مجرد نزهة تقنية، بل هي معركة معقدة تتأثر بشكل مباشر بالصراعات المسلحة، وتحديداً تداعيات حرب إيران، وضعف الاستقرار الاقتصادي الذي يضرب مفاصل العديد من دول المنطقة.
مؤشر "فيتش" وقراءة في تدهور الأرقام
وخفضت "فيتش سوليوشنز" توقعاتها لمؤشر تحول الطاقة (ETI) في المنطقة، حيث من المتوقع أن ترتفع درجة المخاطر من 59 في عام 2025 إلى 62.8 بحلول عام 2035.
وبما أن هذا المؤشر يعتمد على مقياس من (0 إلى 100)، فإن الارتفاع يعني زيادة في التهديدات التي تواجه أمن الطاقة وإزالة الكربون.
ويرتكز هذا التقييم على أربعة محاور هي: الاستقرار الاقتصادي، والمرونة، والاستدامة، والانكشاف على الواردات.
وبحسب الأرقام، يظل "الاستقرار الاقتصادي" هو الحلقة الأضعف، حيث يعاني من ضغوط التضخم وارتفاع تكاليف الحوكمة، مما يجعل صانع القرار في حيرة بين توفير الطاقة الرخيصة حالياً وبين الاستثمار في مستقبل أخضر مكلف.
خارطة التباين.. الإمارات تحلق وإيران ولبنان في مهب الريح
ويكشف التقرير عن فجوة هائلة تتسع يوماً بعد يوم بين دول مجلس التعاون الخليجي وبقية دول المنطقة.
والإمارات تظهر كـ "نقطة مضيئة" وحيدة تقريباً، حيث يُتوقع أن يتحسن أداؤها بشكل ملحوظ لتصل إلى درجة مخاطر منخفضة (48.8)، وذلك بفضل فوائضها المالية القوية، وتشغيل محطات الطاقة النووية، والاستثمار المكثف في تحديث شبكات الكهرباء.
وفي المقابل، يغرق الجانب الآخر من الخارطة في المخاطر؛ فلبنان وإيران والمغرب يتصدرون قائمة الدول الأكثر عرضة للتهديدات.
وتعد إيران النموذج الأبرز للتدهور، إذ يتوقع أن تصل درجة المخاطر فيها إلى 74.3 نتيجة تراكم آثار العقوبات الدولية، وتهالك البنية التحتية، والانخراط في صراعات إقليمية استنزفت مواردها الطاقية.
البنية التحتية في مرمى النيران
ولم تعد أزمة الطاقة في المنطقة تتعلق فقط بنقص الموارد، بل بسلامة المنشآت؛ فالصراع الدائر أدى إلى أضرار ملموسة في مراكز حيوية مثل منشأة "رأس لفان" للغاز في قطر ومحطة "رأس تنورة" في السعودية. هذا الوضع جعل "مرونة" أنظمة الطاقة في خطر دائم.
ولعل العراق يمثل الحالة الأكثر مأساوية، حيث تصل خسائر نقل وتوزيع الكهرباء فيه إلى 60%، وهي النسبة الأعلى على مستوى العالم، مما يجعل المواطن العراقي في مواجهة مستمرة مع انقطاع التيار رغم ثروات بلاده.
الاستدامة المفقودة.. انبعاثات في تصاعد
والصدمة الحقيقية تكمن في أرقام "الاستدامة"؛ فبينما تنجح أوروبا وآسيا في تقليل كثافة الكربون، يتوقع التقرير أن ترتفع انبعاثات الطاقة في الشرق الأوسط بنسبة 20.5% بحلول عام 2035.
هذا التناقض يعود إلى استمرار هيمنة النفط والغاز على قطاعات النقل والصناعة والمباني، بالإضافة إلى "سياسات الدعم" التي تجعل أسعار الوقود التقليدي رخيصة، مما يقلل الحافز لدى الشركات والأفراد للاستثمار في تقنيات كفاءة الطاقة.
بصيص أمل وسط الضباب
ورغم هذا المشهد المعقد، يشير التقرير إلى أن مشروعات "الربط الكهربائي" العابرة للحدود، مثل المشروع الضخم بين السعودية ومصر، قد تمثل طوق نجاة لتحسين استقرار الشبكات على المدى المتوسط.
لكن يبقى التحدي الأكبر هو قدرة السياسيين على عزل ملف الطاقة عن الصراعات العسكرية، ووضع تشريعات وطنية تشجع على "الكهربة" الشاملة لكل القطاعات، وليس فقط إنتاج الكهرباء من الشمس والرياح.
إن مستقبل الطاقة في المنطقة بحلول 2035 ليس مجرد أرقام في مؤشر، بل هو انعكاس لقدرة هذه الدول على تحقيق "الاستقرار السياسي" أولاً، قبل الحديث عن "التحول الأخضر".
