موائد إفطار أم غرف عمليات.. ولائم رمضان في الخارج تتحول لمنصات إعادة تدوير شبكات الإخوان
في الوقت الذي تحمل فيه موائد الإفطار في الوجدان الإسلامي معاني التكافل والتقارب، تكشف وقائع موثقة عن توظيف مغاير لتلك المناسبات خارج الحدود، حيث تحولت بعض التجمعات الرمضانية التي تنظمها عناصر مرتبطة بجماعة الإخوان إلى مساحات مغلقة لإعادة ترتيب الصفوف، وبناء شبكات تنظيمية جديدة تحت غطاء اجتماعي وإنساني.
اللافت في المشهد ليس فقط تكرار هذه الفعاليات في أكثر من دولة، وإنما نمطها المتشابه من حيث التوقيت والتنظيم والأهداف غير المعلنة.
ففي هولندا، وتحديدا خلال يومي 7 و15 مارس 2026، نظمت كيانات تحمل طابعا مدنيا مثل “بناء وحوار” و”جستس فور ماترز” موائد إفطار موسعة، شهدت حضور عناصر محسوبة على الجماعة، في لقاءات لم تقتصر على الطابع الرمضاني التقليدي، بل اتخذت مسارا تنظيميا موازيا، من خلال نقاشات مغلقة وترتيبات داخلية تعكس إعادة تموضع واضح.
نفس النمط تكرر في تركيا، حيث شهد يوم 4 مارس 2026 إفطارا نظمته إحدى الجبهات التابعة للتنظيم، تلاه بعد أيام قليلة، في 15 مارس، فعالية أكبر في إسطنبول داخل إحدى المناطق الحيوية، بحضور كثيف لعناصر إعلامية محسوبة على نفس التيار.
ورغم الغطاء المهني المعلن لتلك الفعالية، فإن ما دار داخلها تجاوز فكرة “تعزيز الروابط” إلى خطوات تنظيمية مباشرة، أبرزها الإعلان عن تشكيل لجنة لإدارة كيان إعلامي، في مشهد يعكس بوضوح استخدام هذه المناسبات كمنصات لإعادة الهيكلة.
التحقيق في هذه الوقائع يكشف نمطًا متكررا، واجهات مدنية أو إعلامية، دعوات مفتوحة ظاهريا، ثم لقاءات مغلقة يتم خلالها بحث ملفات تنظيمية، وتوزيع أدوار، وإعادة ترتيب شبكات العمل، بما يشبه “الخلايا الناعمة” التي تتحرك بعيدا عن الرصد المباشر.
الأكثر إثارة للانتباه هو حجم الإنفاق المصاحب لهذه الفعاليات. فالموائد التي يتم تنظيمها في عواصم أوروبية ومدن كبرى، لا تعكس بأي حال نمط تجمعات بسيطة أو محدودة، بل تشير إلى تمويل كبير يضخ لإخراج هذه الفعاليات بصورة لافتة، سواء من حيث أماكن التنظيم أو أعداد الحضور أو مستوى الخدمات. هذا البذخ يطرح تساؤلات جدية حول مصادر التمويل، خاصة في ظل ادعاءات مستمرة من تلك العناصر بالتضييق والملاحقة.
ولا يمكن فصل هذا النشاط عن السياق الأوسع لتحركات الجماعة في الخارج، حيث تسعى منذ سنوات إلى إعادة بناء هياكلها بعد الضربات التي تلقتها، معتمدة على أدوات بديلة أقل صداما وأكثر مرونة، من بينها العمل عبر منظمات المجتمع المدني والكيانات الإعلامية. وتأتي موائد الإفطار كأداة مثالية في هذا الإطار، نظرا لما توفره من غطاء اجتماعي يصعب الطعن فيه ظاهريا.
المفارقة أن هذه الفعاليات تقدم إعلاميا باعتبارها مناسبات للتواصل الإنساني أو المهني، بينما تكشف الوقائع على الأرض عن توظيف مزدوج، يجمع بين الشكل الاجتماعي والمضمون التنظيمي. وهو ما يعيد طرح تساؤلات حول طبيعة هذه الكيانات، وحدود الفصل بين النشاط المدني الحقيقي، والعمل المرتبط بأجندات تنظيمية عابرة للحدود.
في المحصلة، لا تبدو هذه الموائد مجرد تجمعات رمضانية عابرة، بل جزء من نمط أوسع لإعادة إنتاج الشبكات، عبر أدوات ناعمة، وتمويل كثيف، وتحركات محسوبة. وبينما تستمر هذه الأنشطة تحت لافتات براقة، تظل الوقائع كاشفة لمسار مواز، يعيد طرح ملف التنظيم الدولي وأدواته، لكن هذه المرة من خلف موائد الإفطار.


