العقار تحت ضغط الجيوسياسة.. خبراء يجيبون عن: هل تفرض الحروب إعادة تسعير السوق؟
تسيطر حالة من الترقب على القطاع العقاري في ظل التطورات الإقليمية المتلاحقة، حيث يربط خبراء الاقتصاد والعقارات حجم التأثير بمدة الصراع واتساعه، مع توقعات محتملة بإعادة تسعير المشروعات الجديدة نتيجة الضغوط المرتبطة بارتفاع تكاليف الطاقة ومدخلات البناء.
تطورات المشهد الجيوسياسي يرسم ملامح السوق
ويظل اتجاه السوق مرهونًا بتطورات المشهد الجيوسياسي في المنطقة، خاصة مع استمرار التوترات العسكرية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وما قد يترتب عليها من تداعيات اقتصادية أوسع على الأسواق الناشئة.
يرى المهندس فتح الله فوزي، رئيس لجنة البناء والتشييد بجمعية رجال الأعمال، أن تأثير الحروب الإقليمية على القطاع العقاري يعتمد بشكل أساسي على مدة استمرار الصراع. وأوضح أن أي تصعيد قصير الأجل لن يترك تأثيرًا جوهريًا على السوق العقاري، بينما قد تؤدي الحروب الممتدة إلى تداعيات اقتصادية أعمق، على غرار ما حدث خلال الحرب الروسية الأوكرانية. وأضاف أن ارتفاع أسعار النفط يمثل أحد أكبر المخاطر، إذ يؤدي إلى زيادة تكلفة الطاقة والنقل ومدخلات الإنتاج، ما ينعكس على مختلف القطاعات الاقتصادية وليس العقار فقط. وأشار إلى أن الطلب على العقار السكني سيظل مستقرًا نسبيًا باعتباره احتياجًا أساسيًا، بينما قد تشهد الاستثمارات العقارية حالة من الترقب وتأجيل قرارات الشراء لحين وضوح الرؤية الجيوسياسية.
من جانبه، أوضح علاء فكري، رئيس مجلس إدارة شركة بيتا للتطوير العقاري، أن تأثير الحرب لا يقتصر على القطاع العقاري فقط، بل يمتد ليشمل الاقتصاد المصري بشكل عام، خاصة قطاعات الطاقة والسياحة وقناة السويس. وأضاف أن ارتفاع أسعار النفط عالميًا سيزيد من تكاليف التشغيل ومدخلات الإنتاج، إلى جانب التأثير المحتمل على إيرادات قناة السويس نتيجة اضطرابات الملاحة البحرية. كما أشار إلى أن بعض الأسواق الخليجية قد تتأثر اقتصاديًا، إلا أن ارتفاع أسعار البترول يمنحها قدرة مالية على تعويض خسائر قطاعات أخرى.
وأكد فكري أن تأثير الأزمة على الشركات العقارية سيختلف من شركة لأخرى، حيث تتمتع الشركات الكبرى بقدرة أكبر على امتصاص الصدمات الاقتصادية مقارنة بالشركات المتوسطة والصغيرة. ونصح المطورين العقاريين بالتريث قبل طرح مشروعات جديدة لحين اتضاح الرؤية بشأن تطورات الأوضاع الإقليمية. كما استبعد حدوث موجات نزوح استثماري كبيرة إلى مصر ما لم تتصاعد الأوضاع إلى مستويات أكثر حدة.
من جهته، أكد أمجد حسانين، عضو اللجنة الاستشارية للتنمية العمرانية وتصدير العقار، أن الحكم على تأثير الأزمة لا يزال مبكرًا، مشيرًا إلى أن التأثير يعتمد على مدة الصراع وحجمه الجغرافي. وأضاف أن استمرار التوترات قد يزيد جاذبية السوق العقاري المصري باعتباره أكثر استقرارًا مقارنة ببعض دول المنطقة، ما قد يدعم حركة الشراء خلال المرحلة المقبلة. وأوضح أن أي زيادة في أسعار النفط ستنعكس على تكلفة المشروعات العقارية، لكن المطورين ملتزمون بتنفيذ العقود المبرمة بالأسعار المتفق عليها، بينما ستظل التسعير الجديدة مرتبطة بالتكلفة الفعلية.
وحذر علاء الشيخ، خبير التسويق العقاري، من أن استمرار الصراع لفترة طويلة قد يؤدي إلى خروج ما يعرف بـ"الأموال الساخنة" من الأسواق الناشئة، مع تراجع شهية المستثمرين الأجانب للاستثمار في المنطقة. وأوضح أن الاقتصاد المصري يرتبط بعدة قنوات تأثر مباشرة، أبرزها تحويلات المصريين العاملين بالخارج، والتي تمثل مصدرًا رئيسيًا للعملة الأجنبية، إضافة إلى استثماراتهم في القطاع العقاري المحلي. وأشار إلى أن أي اضطراب في أسواق العمل بدول الخليج قد يؤدي إلى تراجع هذه التحويلات، ما قد ينعكس على الطلب العقاري في مصر.
كما لفت إلى أن اضطرابات الملاحة البحرية قد تؤثر على إيرادات قناة السويس، في حين أن أي توقف في إمدادات الغاز قد يرفع تكاليف الاستيراد ويزيد الضغوط التضخمية على الأسعار المحلية. ومع ذلك، أشار إلى أن بعض المستثمرين قد ينظرون إلى السوق المصري كملاذ آمن، لكن هذا السيناريو لا يزال محدود الاحتمالية مقارنة بالأسواق البديلة مثل تركيا وجورجيا وأوروبا.
بدوره، أكد معتز شلبي، الخبير العقاري، أن حالة عدم اليقين تدفع المستثمرين إلى الترقب قبل اتخاذ قرارات الشراء، خاصة في الأصول طويلة الأجل مثل العقارات. وأوضح أن شريحة كبيرة من المشترين في السوق المصري من المصريين المقيمين في دول الخليج، ما يجعل الطلب العقاري أكثر حساسية للتغيرات الاقتصادية الإقليمية. وأضاف أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار العقارات بسبب زيادة تكاليف الطاقة والبناء.
وفي المجمل، يظل مستقبل القطاع العقاري مرتبطًا بشكل مباشر بتطورات المشهد الدولي خلال الفترة المقبلة، حيث تتأرجح التوقعات بين فرص جذب استثمارات جديدة إلى السوق المصري باعتباره أكثر استقرارًا في المنطقة، وبين ضغوط اقتصادية محتملة إذا طال أمد الصراع وامتدت تداعياته إلى أسواق الطاقة وسلاسل التوريد العالمية.


