المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.. هل ستحول مصر لمركز تصنيع وتصدير عالمي؟
تفرض المنطقة الاقتصادية لقناة السويس نفسها اليوم كأحد أعمدة التحول الاقتصادي في مصر، بعدما انتقلت من مجرد فكرة استثمارية إلى منظومة إنتاج وتصدير متكاملة تعيد رسم خريطة الصناعة والتجارة في البلاد، حيث تتحرك هذه المنطقة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الاقتصادات العالمية، كقاطرة نمو حقيقية، مستفيدة من موقع استثنائي على واحد من أهم الممرات الملاحية في العالم، ومن رؤية حكومية تراهن على التصنيع والصادرات بدل الاكتفاء بدور العبور والخدمات اللوجستية.
ومنذ تدشينها رسميًا في عام 2015، اتسعت رقعة المنطقة الاقتصادية لتتجاوز 460 كيلومترًا مربعًا، تضم أربع مناطق صناعية كبرى وستة موانئ محورية على البحرين الأحمر والمتوسط، لتشكل معًا شبكة متكاملة قادرة على استقبال الاستثمارات وتحويلها إلى مصانع ومنتجات وأسواق تصدير، وخلال أقل من عقد، تحولت هذه الرقعة إلى واحدة من أكثر مناطق الجذب الاستثماري نشاطًا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع تركيز واضح على صناعات النسيج، والطاقة المتجددة، والأدوية، وصناعة السيارات ومكوناتها.
الإيرادات تقفز إلى 6.25 مليار جنيه
الأرقام التي سجلتها المنطقة في العام المالي 2025-2026 تعكس حجم هذا التحول، ففي الفترة من يوليو إلى نوفمبر 2025 وحدها، قفزت الإيرادات إلى 6.25 مليار جنيه، محققة نموًا سنويًا بلغ 55%، ومتجاوزة المستهدفات المالية بأكثر من 40%.

وهذا الأداء القوي للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج التوسع في تشغيل المناطق الصناعية واللوجستية، ودخول محطات موانئ جديدة الخدمة، وارتفاع معدلات الإشغال داخل المشروعات القائمة.
استقطاب 80 مشروعًا جديدًا
في الوقت نفسه، نجحت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في استقطاب 80 مشروعًا جديدًا باستثمارات تجاوزت 5.1 مليار دولار، وهو رقم يفوق ما تم ضخه خلال العام المالي السابق بالكامل، مع وعود بخلق أكثر من 64 ألف فرصة عمل مباشرة، معظمها في صناعات ذات قيمة مضافة مرتفعة وقدرة تصديرية واضحة.
وبداية عام 2026 جاءت لتؤكد أن وتيرة التوسع لم تتباطأ، بل ازدادت سرعة، ففي يناير، تم توقيع عقد لإنشاء مصنع تركي متخصص في الملابس الجاهزة بغرب القنطرة باستثمار 5.6 مليون دولار، ضمن موجة الاستثمارات التي تستهدف تحويل هذه المنطقة إلى مركز إقليمي لصناعة الغزل والنسيج.
وقبلها بشهر، شهدت المنطقة وضع حجر الأساس لمجمع دوائي ضخم لإنتاج الأدوية واللقاحات باستثمار 150 مليون دولار، إلى جانب مجمع للطاقة الشمسية في تيدا السخنة باستثمارات 210 ملايين دولار، في خطوة تعكس الاتجاه المتزايد نحو الصناعات الخضراء.
هذه المشروعات تأتي في إطار شراكات دولية واسعة، خصوصًا مع الصين والإمارات وتركيا، حيث تجاوز إجمالي استثمارات هذه الدول داخل المنطقة منذ 2016 حاجز 14 مليار دولار، وهو ما جعل المنطقة واحدة من أكبر ساحات التنافس الاستثماري في شرق المتوسط.
خريطة مشروعات المنطقة الاقتصادية لقناة السويس
على خريطة المشروعات الكبرى، تبرز استثمارات في صناعة إطارات السيارات، والبتروكيماويات، والطاقة الشمسية، والزجاج، إلى جانب مشروعات استراتيجية لتصنيع الأنابيب والمنتجات الفولاذية في منطقة السخنة باستثمارات تصل إلى 3.5 مليار دولار.
كما جرى توقيع اتفاقيات لتطوير مصانع جاهزة في غرب القنطرة بقيمة مليار جنيه، على مساحة 200 ألف متر مربع، بهدف تسريع دخول المستثمرين إلى مرحلة الإنتاج دون فترات إنشاء طويلة.
ولا يقتصر طموح المنطقة على اجتذاب المصانع، بل يمتد إلى إعادة تموضع مصر داخل سلاسل الإمداد العالمية، فالمنطقة تستهدف قطاعات مثل السيارات الكهربائية، والصناعات الكيماوية المتقدمة، والطاقة المتجددة، مستفيدة من شبكة اتفاقيات التجارة الحرة التي تتيح للمنتجات المصرية النفاذ إلى أسواق تضم أكثر من ملياري مستهلك حول العالم، كما اكتمل الإطار التنظيمي للمنطقة الصناعية الروسية، في خطوة تعزز حضور اللاعبين الدوليين داخل المنظومة الصناعية المصرية.
مميزات الاستثمار في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس
الميزة التنافسية الأكبر للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس تظل موقعها الجغرافي، حيث تمر نسبة تتراوح بين 12 و15% من حركة التجارة العالمية عبر القناة، وهذا الموقع يمنح المصانع المقامة داخل المنطقة قدرة استثنائية على الوصول السريع إلى أسواق أوروبا وآسيا وأفريقيا، وهو ما يجعلها نقطة جذب لسلاسل التوريد العالمية التي تبحث عن مواقع إنتاج قريبة من الممرات التجارية الكبرى.

وخلال الفترة من أغسطس 2022 إلى مارس 2025، وحدها، استقطبت المنطقة 272 مشروعًا باستثمارات تجاوزت 8.3 مليار دولار، بينها 78 مشروعًا جديدًا بقيمة 3.6 مليار دولار، ما يعكس تسارعًا واضحًا في وتيرة التوسع الصناعي، ومع شبكة متطورة من الطرق والسكك الحديدية والأنفاق ومحطات الطاقة، باتت المصانع قادرة على العمل بكفاءة عالية، وتقليل الاعتماد على الواردات، ورفع القدرة التصديرية.
رفع القدرة التصديرية لمصر
غرب القنطرة يقدم نموذجًا عمليًا لهذا التحول، حيث تحتضن المنطقة 35 مشروعًا في قطاع النسيج باستثمارات تقارب مليار دولار، توفر أكثر من 51 ألف فرصة عمل، مع توجيه الجزء الأكبر من الإنتاج إلى التصدير، وفي قطاع السيارات، يجري العمل على مشروعات تهدف إلى تحويل مصر إلى مركز إقليمي لتصنيع المركبات وتصديرها، بدعم من مشروعات تجميع وتصنيع المكونات.
واقتصاديًا، ساهمت المنطقة منذ 2016 وحتى 2025 في جذب استثمارات إجمالية بلغت 11.6 مليار دولار، وتوفير نحو 136 ألف فرصة عمل مباشرة، كما انعكس هذا النشاط على حركة قناة السويس نفسها، التي سجلت زيادة في الإيرادات بنسبة 17.5% بنهاية 2025، مع توقعات بالوصول إلى نحو 8 مليارات دولار خلال العام المالي 2025-2026.
في المحصلة، لم تعد المنطقة الاقتصادية لقناة السويس مجرد مشروع بنية تحتية أو منطقة صناعية تقليدية، بل تحولت إلى منصة استراتيجية تعيد صياغة دور مصر في الاقتصاد العالمي، ومع استمرار تدفق الاستثمارات وتوسع القاعدة الصناعية، تقترب البلاد خطوة إضافية من تحقيق هدفها بأن تصبح بحلول 2030 بوابة أفريقيا إلى التجارة العالمية، ومركزًا إقليميًا للتصنيع والتصدير يعتمد على الإنتاج، لا العبور فقط.
