الثلاثاء 06 يناير 2026
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير التنفيذي
أحمد لطفي
رئيس التحرير
عمرو عامر
رئيس التحرير التنفيذي
أحمد لطفي
تحليل

خُمس اقتصاد العالم.. فنزويلا دولة تعيش فوق تريليونات الدولارات وشعب تحت "خط الفقر"

الإثنين 05/يناير/2026 - 08:00 ص
فنزويلا
فنزويلا

تقف فنزويلا كأحد أكثر النماذج تعقيدا وإثارة للجدل في الاقتصاد السياسي العالمي، دولة تمتلك مفاتيح ثروة قادرة نظريا على تغيير موازين القوة الاقتصادية في نصف الكرة الغربي، لكنها في الواقع تعيش واحدة من أطول حالات الانكماش والانهيار المؤسسي في التاريخ الحديث، وهنا لا تدور الأزمة حول ندرة الموارد، بل حول كيفية إدارة الفائض، وكيف يمكن لثروة استثنائية أن تتحول من فرصة تاريخية إلى عبء ثقيل يعمق الاختلالات بدلا من معالجتها.

الاهتمام الدولي المتجدد بفنزويلا لا يرتبط فقط بتقلباتها السياسية، بل بجوهر السؤال الأعمق: ماذا يعني أن تمتلك دولة كل هذه الثروات، ومع ذلك تبقى عاجزة عن تحويلها إلى قوة اقتصادية مستدامة؟ هذا السؤال يعيد فتح ملف الموارد الفنزويلية في كل مرة تدخل فيها البلاد مرحلة اضطراب جديدة.

النفط.. الثروة التي صنعت فنزويلا

تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم، يقدر بنحو 303 مليارات برميل، وهو رقم يضعها نظريا في موقع لا ينافسها فيه أحد، وهذا المخزون، المتركز في حزام أورينوكو، يمنح فنزويلا قدرة إنتاج ممتدة لقرابة 270 عاما إذا ما ضخ بمعدل 3 ملايين برميل يوميا.

تمتلك خمس اقتصاد العالم.. "فنزويلا" دولة تعيش فوق تريليونات الدولارات وشعب تحت "خط الفقر"

القيمة النظرية لهذا النفط، عند متوسط سعر 70 دولارا للبرميل، تتجاوز 21 تريليون دولار، رقم يقترب من حدود الخيال حين يقارن بحجم الاقتصاد الفنزويلي الذي لا يزيد اليوم على 120 مليار دولار، أو بمعنى أدق، فإن النفط النائم تحت الأرض يعادل نحو 175 ضعف قيمة الاقتصاد القائم فوقها.

لكن هذه الوفرة تحولت إلى عبء بنيوي، فطبيعة النفط الثقيل وفائق الثقل تتطلب استثمارات ضخمة وتكنولوجيا معقدة، ومع تراجع الاستثمارات، وتدهور البنية التحتية، وانهيار كفاءة شركة النفط الوطنية، فقد النفط دوره كقاطرة نمو، وأصبح رمزا لعجز الدولة عن تحويل المورد إلى إنتاج.

الغاز الطبيعي.. ثروة فنزويلا المهدرة

تحت السطح ذاته، تمتد ثروة غازية تقدر بنحو 200 تريليون قدم مكعبة مؤكدة، تكفي لتغذية قارات بأكملها لعقود طويلة، فالغاز الطبيعي يمثل فرصة تاريخية لفنزويلا للعودة التدريجية إلى الأسواق العالمية، غير أن هذه الفرصة ظلت معطلة.

فجزء كبير من الغاز يحرق بدل أن يستثمر، نتيجة غياب البنية التحتية وغياب القرار الاستراتيجي، ومن هنا تتجلى أزمة أعمق، ليست المشكلة في نقص المال فقط، بل في غياب الدولة القادرة على اتخاذ قرار اقتصادي طويل الأمد.

قوس أورينوكو.. ثروة تعدين تتحول إلى فوضى

في الجنوب، يكشف قوس التعدين في أورينوكو عن وجه آخر للمفارقة، فالمنطقة تشكل نحو 13% من مساحة البلاد، وتضم أكثر من 8000 طن من الذهب، بقيمة تتجاوز تريليون دولار، إضافة إلى الألماس والكولتان والنيكل والنحاس ومعادن نادرة أخرى.

وفي زمن التحول الرقمي والطاقة النظيفة، تعد هذه المعادن أوراق قوة استراتيجية، لكنها في فنزويلا تحولت إلى مصدر فوضى، التعدين غير المنظم، والتهريب، وغياب الرقابة، كلها عوامل حوّلت الثروة المعدنية إلى اقتصاد ظل، يعمق الخلل بدل معالجته، ويعيد إنتاج نموذج استخراج بلا تنمية.

الطاقة الكهرومائية في فنزويلا

تمتلك فنزويلا سد “جوري”، أحد أكبر السدود الكهرومائية في العالم، بقدرة تتجاوز 10 آلاف ميجاوات، هذه القدرة تعني كهرباء رخيصة ومستقرة، قادرة على دعم الصناعات الثقيلة والتعدين على نطاق واسع، لكن هذه الميزة لم تتحول إلى قاعدة صناعية، فغياب التخطيط والتكامل بين قطاعات الطاقة والصناعة جعل من السد موردًا معزولًا داخل منظومة اقتصادية عاجزة عن استثماره كرافعة إنتاج.

سهول اللانوس الخصبة في فنزويلا

فنزويلا ليست دولة باطن أرض فقط، بل تمتلك سهول اللانوس الخصبة، وواحدا من أكبر مخزونات المياه العذبة في العالم، وتنوعا مناخيًا يسمح بإنتاج محاصيل ذات قيمة عالية مثل البن والكاكاو.

ومع ذلك، انهار القطاع الزراعي، لتتحول دولة ذات تاريخ زراعي إلى مستورد صاف للغذاء، هنا يظهر البعد الأخطر للأزمة: حين تفشل الدولة في استثمار أبسط مواردها، تصبح الثروة نفسها عبئًا نفسيًا واجتماعيًا على المجتمع.

علاوة على ذلك، يمنح الموقع الجغرافي لفنزويلا قيمة استراتيجية ثابتة، فالإطلالة على البحر الكاريبي، والقرب من الأسواق الأميركية، والاتصال غير المباشر بقناة بنما، كلها عناصر تؤهلها لأن تكون مركز طاقة وتجارة إقليمي.

تمتلك خمس اقتصاد العالم.. "فنزويلا" دولة تعيش فوق تريليونات الدولارات وشعب تحت "خط الفقر"


ماذا تمثل فنزويلا للرئيس ترامب

من هنا، يمكن فهم النظرة التي يتبناها دونالد ترامب تجاه فنزويلا، وفي هذا المنظور، لا ترى البلاد كدولة فاشلة، بل كشركة عملاقة تمتلك أصولا هائلة لكنها متوقفة عن العمل، شركة تملك نفطًا بتريليونات الدولارات، وغازًا يكفي قارات، وذهبًا ومعادن حرجة، وطاقة كهربائية رخيصة، لكنها بلا إدارة فعالة تشغل هذه الأصول، وعند ترامب، حيث تتقدم الصفقات على الاعتبارات الأخرى، يصبح تشغيل هذا الكنز المعطل جزءًا من معادلة “أمريكا أولًا”.

ومما لاشك فيه، قصة فنزويلا ليست قصة فقر، بل مأساة ثروة، فنحن أمام دولة تمتلك كل شيء تقريبا، لكنها تفتقد الحلقة الحاسمة، والتي تتمثل في الدولة القادرة على تحويل الموارد إلى إنتاج، والإنتاج إلى تنمية، والتنمية إلى حياة كريمة، ولهذا، ستظل فنزويلا محور صراع واهتمام عالمي، لا لأنها ضعيفة، بل لأنها غنية أكثر مما تحتمل دولة عاجزة عن إدارة مواردها.