وضعت الاقتصاد على مسار التعافي.. هل تقود مرونة السياسة النقدية مصر لمرحلة نمو استثماري غير مسبوقة؟

يشهد الاقتصاد المصري خلال الفترة الأخيرة مؤشرات تعافٍ لافتة، انعكست بشكل مباشر على أسواق المال والاستثمار وسعر الصرف، وذلك بفضل السياسات النقدية المحكمة التي ينفذها البنك المركزي، حيث نجح ـ عبر مزيج من الإجراءات الاستباقية وضبط أدوات السياسة النقدية ـ في تعزيز استقرار السوق والحد من الضغوط التضخمية، وهو ما وفر بيئة أكثر توازنا للاستثمار وفتح المجال أمام تدفقات رأسمالية جديدة.
هذا التحسن لم يقتصر على استقرار سعر العملة، بل امتد ليمنح الاقتصاد المصري درجة أعلى من المرونة والثقة في مواجهة التحديات العالمية، وانعكست هذه السياسة على تحسن مؤشر الاقتصاد المصر، فقد ارتفعت معدلات النمو، وزاد الاحتياطي النقدي ليصل 49 مليار دولار بفضل زيادة التدفقات النقدية سواء من خلال الاستثمارات المباشرة أو من خلال تحويلات المصريين بالخارج.

نجاح البنك المركزي في ضبط سعر الصرف
وفي هذا السياق، اعتبر الخبير الاقتصادي أحمد خطاب أن ما تحقق مؤخرًا في سوق النقد المصري يعكس نجاحا استثنائيا للسياسة النقدية التي يقودها محافظ البنك المركزي حسن عبدالله، موضحا أن الإدارة الرشيدة لهذا الملف لم تقتصر على تحقيق ثبات في سعر الصرف، بل امتدت إلى إحداث تراجع فعلي في قيمة الدولار أمام الجنيه المصري، في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي ضغوطا متصاعدة وتقلبات حادة في أسواق العملات.
وأضاف خطاب، في تصريحات خاصة لـ بانكير، أن استمرار هذا التوجه يعزز التوقعات بمزيد من التراجع في سعر الدولار أمام الجنيه خلال المرحلة المقبلة، وهو ما يمثل عامل ثقة للأسواق، ويمنح الاقتصاد المصري مساحة أوسع من المرونة في التعامل مع الاستثمارات الأجنبية المباشرة، مشيرًا إلى أن هذا المناخ الداعم أسهم بالفعل في زيادة تدفق رؤوس الأموال واستقطاب مشروعات جديدة تستفيد من الاستقرار النقدي.

تأثير خفض أسعار الفائدة على زيادة الاستثمارات
وفي تحليله لتداعيات قرارات السياسة النقدية الأخيرة، أكد خطاب أن خفض أسعار الفائدة خلال الأشهر الماضية كان نقطة تحول في تشجيع الاستثمار الصناعي داخل مصر، موضحًا أن هذا التوجه عزز تنافسية بيئة الأعمال وخفف من أعباء التمويل على المستثمرين.
كما توقع الخبير الاقتصادي أن يقدم البنك المركزي على مزيد من التخفيضات في أسعار الفائدة مستقبلا، وهو ما سيؤدي إلى توسيع قاعدة الاستثمار الصناعي والتجاري، وخلق فرص أكبر لجذب الاستثمارات العربية والأجنبية، وزيادة القدرة التصديرية للمنتجات المصرية في الأسواق العالمية.
خطورة الاعتماد على الأموال الساخنة
وفيما يتعلق بمصادر التمويل، شدد الخبير الاقتصادي على أن الاعتماد المفرط على ما يعرف بالأموال الساخنة يمثل خيارا محفوفا بالمخاطر، فهي أدوات مالية سريعة الحركة قد تسهم في تعزيز السيولة على المدى القصير، لكنها لا يمكن أن تكون ركيزة أساسية لاقتصاد بحجم مصر.
ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن الأموال الساخنة يجب أن توظف كعامل مساعد أو مكمل ضمن حزمة الأدوات الاستثمارية، بينما يظل الأساس هو الاستثمار المباشر طويل الأجل الذي يخلق قيمة مضافة حقيقية ويضمن استدامة النمو.

مرحلة مشرقة للاستثمار المحلي والأجنبي
في المحصلة، تبدو نتائج السياسة النقدية التي يقودها البنك المركزي واضحة على أرض الواقع، حيث نجحت في إعادة ضبط السوق ومنح الاقتصاد المصري جرعة جديدة من الثقة، ومع التوقعات بمزيد من خفض الفائدة واستمرار استقرار سعر الصرف، يفتح المشهد الاقتصادي الباب أمام مرحلة أكثر إشراقًا للاستثمار المحلي والأجنبي.
ورغم التحديات العالمية، يظل الرهان الحقيقي – كما يؤكد الخبراء – على الاستثمار المباشر طويل الأجل القادر على خلق قيمة مضافة حقيقية ودفع عجلة التنمية المستدامة، بعيدًا عن الاعتماد على أدوات مالية سريعة الزوال مثل الأموال الساخنة.